تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ التَّأْوِيلَ خَاصًّا بِمَا كَانَ مَأْخُوذًا بِالْإِشَارَةِ وَالتَّفْسِيرِ بِمَا كَانَ مَفْهُومًا مِنْ الْعِبَارَةِ
التَّفْسِيرِ تَفْسِيرَانِ:
لَكِنَّ التَّفْسِيرَ عَلَى نَوْعَيْنِ بِالْإِجْمَالِ أَحَدُهُمَا تَفْسِيرٌ جَافٍ لَا يَتَجَاوَزُ حِلَّ الْأَلْفَاظِ وَإِعْرَابِ الْجَمَلِ وَبَيَانِ مَا يَحْتَوِيهِ نَظْمُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنْ نَكَاتٍ بِلَاغِيَةٍ وَإِشَارَاتٍ فِنِيَّةٍ وَهَذَا النَّوْعُ أَقْرَبُ إلَى التَّطْبِيقَاتِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْهُ إلَى التَّفْسِيرِ وَبَيَانِ مُرَادِ اللَّهِ مِنْ هِدَايَاتِهِ.
النَّوع الثَّانِي تَفْسِيرٌ يُجَاوِزُ هَذِهِ الْحُدُودَ وَيَجْعَلُ هَدَفَهُ الْأَعْلَى تَجْلِيَةَ هِدَايَاتِ الْقُرْآنِ وَتَعَالِيمُ الْقُرْآنِ وَحُكْمُهُ اللَّهُ فِيمَا شَرِعَ لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهٍ يَجْتَذِبُ الْأَرْوَاحَ وَيَفْتَحُ الْقُلُوبُ وَيَدْفَعُ النُّفُوسَ إلَى الِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِ اللَّهِ وَهَذَا هُوَ الْخَلِيقُ بِاسْمِ التَّفْسِيرِ وَفِيهِ يُسَاقُ الْحَدِيثَ إذَا تَكَلَّمْنَا عَنْ فَضْلِهِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ.
فَضْلُ التَّفْسِيرُ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ:
نَهْضَةُ الْأَفْرَادِ وَالْأُمَمُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً عَنْ تَجْرِبَةٍ وَلَا سَهْلَةٍ مُتَيَسِّرَةٍ وَلَا رَائِعَةٍ مُدْهَشَةٍ إلَّا عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِرْشَادِ بِتَعَالِيمِ الْقُرْآنِ وَنَظْمِهُ الْحَكِيمَةُ الَّتِي رُوعِيْتْ فِيهَا جَمِيعَ عَنَاصِرِ السَّعَادَةِ لِلنَّوْعِ الْبَشَرِيِّ عَلَى مَا أَحَاطَ بِهِ عِلِمَ خَالِقَهُ الْحَكِيمُ وَبِدَهِيَ أَنَّ الْعَمَلَ بِهَذِهِ التَّعَالِيمِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ فَهْمِ الْقُرْآنِ وَتَدَبَّرُهُ وَالْوُقُوفُ عَلَى مَا حَوَى مِنْ نَصْحٍ وَرُشْدٍ وَالْإِلْمَامُ بِمَبَادِئِهِ عَنْ طَرِيقِ تِلْكَ الْقُوَّةِ الْهَائِلَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا أُسْلُوبُهُ الْبَارِعُ الْمُعْجَّزَ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عَنْ طَرِيقِ الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ لِمَا تَدُلَّ عَلَيْهِ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ وَهُوَ مَا نُسَمِّيهِ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْعُصُورِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي فَسَدَتْ فِيهَا مَلَكَةُ الْبَيَانِ الْعَرَبِيُّ وَضَاعَتْ فِيهَا خَصَائِصُ الْعُرُوبَةِ حَتَّى مِنْ سَلَائِلِ الْعَرَبِ أَنْفُسَهُمْ.
فَالتَّفْسِيرُ هُوَ مِفْتَاحُ هَذِهِ الْكُنُوزِ وَالذَّخَائِرِ الَّتِي احْتَوَاهَا هَذَا الْكِتَابُ الْمَجِيدُ النَّازِلُ لِإِصْلَاحِ الْبَشَرِ وَإِنْقَاذِ النَّاسِ وَإِعْزَازِ الْعَالِمِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout