ثَالِثًا: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي سَاقُوهَا طَعْنًا فِي تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يُخَالِفُ فِي الْقِرَاءَةِ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ. بَلْ هُوَ يَقْرَأُ بِهِ كَمَا يَقْرَأُ بِرِوَايَتِهِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا وَسَمِعَهَا وَحْدَهُ مِنْ فَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: وَقَدْ قَرَأْت مَنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ فَإِنَّ كَلِمَةَ مِثْلَهُ فِيهَا اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَرَأَ مِثْلَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَكِنْ مَا انْفَرَدَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِهِ تُعْتَبَرُ رِوَايَتُهُ آحَادِيَّةً. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْآحَادِ لَا تَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْقُرْآنِيَّةِ. لِذَلِكَ لَمْ يُوَافِقْ الصَّحَابَةَ عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ بِخِلَافِ مُصْحَفِ عُثْمَانَ فَقَدْ وَافَقَهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ وَظُفَرَ بِإِجْمَاعِ الْأَمَةِ وَلَمْ يَكْتُبْ فِيهِ إلَّا مَا اسْتَقَرَّ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ غَيْرِ نُسَخٍ لِتِلَاوَتِهِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ هُنَاكَ فِي مَبْحَثِ جَمْعُ الْقُرْآنَ.
رَابِعًا: أَنَّ عَدَمَ دَفْعِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُصْحَفَهُ لِيُحْرِقَ كَانَ تَوَقُّفًا مِنْهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ. ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَرَّقَهُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهُوا ذَلِكَ فِي مَقَالَتِهِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ شَقِيقٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي دَاوُد عَنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ. وَبِهَذَا اتَّحَدَتْ الصُّفُوفُ وَاتَّفَقَتْ الْكَلِمَةُ وَتَمَّ لِلْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ الظُّفْرَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِإِجْمَاعِ الْأَمَةِ حَتَّى ابْنَ مَسْعُودٍ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى هَذَا الْكَرْمِ وَالْجُودِ. حَمْدًا يُوَافِي نَعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ وَيَسْتَنْزِلُ رِضَاهُ آمِينَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout