وَمِمَّا يُلِفُتُ النَّظَرُ أَنَّ يَدَ التَّجْوِيدِ وَالصِّقْلِ وَالتَّحْسِينِ أَخَذَتْ تَتَنَاوَلُ الْمَصَاحِفَ عَلَى أَلْوَانٍ شَتَّى وَضُرُوبٌ مُتَنَوِّعَةٍ فَهُنَاكَ تَحْسِينَاتٌ مَادِيَةٌ أَوْ شُكْلِيَّةٌ تَرْجِعُ إلَى النُّسَخِ وَالطَّبْعِ وَالْحَجْمِ وَالْوَرِقِ وَالتَّجْلِيدِ وَالتَّذْهِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ لَا تَعْنِينًا كَثِيرًا لِأَنَّ أَمْرَهَا هِيْنٌ وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ التَّيْسِيرِ أَوْ التَّشْوِيقِ إلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَهُنَاكَ تَحْسِينَاتٌ مَعْنَوِيَّةٌ أَوْ جَوْهَرِيَّةٌ تَرْجِعُ إلَى تَقْرِيبِ نُطْقِ الْحُرُوفِ وَتَمْيِيزِ الْكَلِمَاتِ وَتَحْقِيقِ الْفُرُوقِ بَيْنَ الْمُتَشَابِهَاتِ عَنْ طَرِيقِ الْإِعْجَامِ وَالشَّكْلِ وَنَحْوِهِمَا. وَفِي هَذِهِ نُسُوقُ الْحَدِيثَ.
الإِعْجَامِ:
إعْجَامُ الْكِتَابُ: نَقَطَهُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: أَعْجَمُ فُلَانٌ الْكَلَامَ: ذَهَبَ بِهِ إلَى الْعُجَمَةِ وَالْكِتَابِ: نَقَطَهُ كَعَجْمِهِ وَعَجْمِهِ أَيْ بِتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَتَضْعِيفِهَا.
وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمُصْحَفَ الْعُثْمَانِيُّ لَمْ يَكُنْ مَنْقُوطًا وَذَلِكَ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَسْلَفْنَاهُ وَهُوَ بَقَاءُ الْكَلِمَةِ مُحْتَمِلَةٌ لِأَنْ تَقْرَأَ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ مِنْ وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ فِيهَا. بِيَدِ أَنَّ الْمُؤَرِّخِينَ يَخْتَلِفُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الْإِعْجَامَ كَانَ مَعْرُوفًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ تَرَكُوهُ عَمْدًا فِي الْمَصَاحِفِ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ النَّقْطَ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا مَنْ بَعْدٍ عَلَى يَدِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤْلِيِّ.
وَسَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا أَمْ ذَاكَ فَإِنَّ إعْجَامَ الْمَصَاحِفِ لَمْ يُحْدُثْ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ إذْ رَأَى أَنَّ رُقْعَةَ الْإِسْلَامِ قَدْ اتَّسَعَتْ وَاخْتَلَطَ الْعَرَبُ بِالْعَجَمِ وَكَادَتْ الْعُجْمَةُ تَمَسُّ سَلَامَةُ اللُّغَةِ وَبَدَأَ اللُّبْسِ وَالْإِشْكَالُ فِي قِرَاءَةِ الْمَصَاحِفِ يَلِحُّ بِالنَّاسِ حَتَّى لِيَشُقَّ عَلَى السَّوَادِ مِنْهُمْ أَنْ يَهْتَدُوا إلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ حُرُوفِ الْمُصْحَفِ وَكَلِمَاتِهِ وَهِيَ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ. هُنَالِكَ رَأَى بِثَاقِبٍ نَظَرِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلْإِنْقَاذِ فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ أَنْ يَعْنَى بِهَذَا الْأَمْرِ الْجَلَلَ وَنُدِبَ الْحَجَّاجُ - طَاعَةً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ- رَجُلَيْنِ يُعَالَجَانِ هَذَا الْمُشْكِلَ هُمَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ الْعَدْوَانِيُّ. وَكِلَاهُمَا كُفْءٌ قَدِيرٌ عَلَى مَا نُدِبَ لَهُ،
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout