فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتْرُكُوهَا مَا عَدَا وَاحِدًا وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِنَقْلٍ مُتَوَاتِرًا لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ الْجَلَلَ مِمَّا تَتَوَافَرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَتَوَاتُرِهِ. وَقُصَارَى مَا وَصَلْنَا مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَلِمَةِ التَّابُوتِ فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الخ أَيَكْتُبُونَهَا بِالتَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَمْ بِالْهَاءِ فَأَمَرَهُمْ عُثْمَانُ أَنْ يَكْتُبُوهَا بِالتَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ لِأَنَّهَا كَذَلِكَ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ.
وَهَذَا يُوَضِّحُ لَنَا أَنَّ عُثْمَانَ فِي كَلِمَتِهِ تِلْكَ إنَّمَا يُرِيدُ الِاخْتِلَافَ فِي الْكِتَابَةِ وَالرَّسْمِ لَا فِي الْأَلْفَاظِ وَاللُّغَاتِ وَالْحُرُوفِ. أَوْ يُرِيدُ أَنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ مُتَوَافِرٌ فِيهَا التَّوَاتُرُ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا فَلْيَأْخُذُوا بِهَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ لِهَذَا الْغَرَضِ وَحْدَهُ وَهُوَ التَّوَاتُرُ الَّذِي شَرَطُوهُ فِي دُسْتُورِ كِتَابَتِهِمْ وَجَمْعِهِمْ. أَضَفُّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَصَاحِفَ نُقِلَتْ مِنْ الصَّحْفِ الَّتِي جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْقُرْآنُ فِيهَا وَاَلَّتِي ظُفِرْتْ بِالتَّوَاتُرِ وَإِجْمَاعِ الْأَمَةِ كَمَا قَدَّمْنَا. فَهَلْ يَرْضَى عُثْمَانَ وَيُوَافِقُهُ الصَّحَابَةُ جَمِيعًا عَلَى أَنْ يَخْرِقُوا هَذَا الْإِجْمَاعَ وَيَعْبَثُوا بِذَلِكَ التَّوَاتُرِ فِي أَمْرِ جَعْلِ اللَّهُ تَعَدُّدَ الْوُجُوهَ وَالْحُرُوفَ فِيهِ رَحْمَةً بِالْأَمَةِ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ؟ ذَلِكَ فَهُمْ بَعِيدُ.
الصَّحْفِ وَالْمَصَاحِفُ
قُلْنَا: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَمْعَ الْقُرْآنِ فِي صَحْفٍ وَإِنَّ عُثْمَانَ جَمْعِهِ وَنَسْخَهُ فِي مَصَاحِفٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّحْفِ وَالْمَصَاحِفِ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الصَّحْفَ جَمْعٌ صَحِيفَةٍ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الْوَرِقِ أَوْ الْجِلْدِ يَكْتُبُ فِيهَا.
أَمَّا الْمُصْحَفُ فَهُوَ بِزِنَةُ اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ أَصْحَفِهِ أَيْ جَمَعَ فِيهِ الصَّحْفَ. فَكَأَنَّ الْمُصْحَفَ مَلْحُوظٌ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ دِفَتَاهُ وَهُمَا جَانِبَاهُ أَوْ جِلَدَاهُ اللَّذَانِ يَتَّخَذَانِ جَامِعًا لِأَوْرَاقِهِ ضَابِطًا لِصَحْفِهِ حَافِظًا لَهَا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout