أَحْرِفُ وَإِبْقَاءُ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَحْرَفِ الَّتِي نَزَلَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ بَلْ إنَّ الَّذِي يَدْفَعُ الْفِتْنَةَ وَيُوحَدُ الْكَلِمَةَ هُوَ إقْرَارُ النَّازِلِ كَمَا نَزَلَ مِنْ تَعَدُّدِ حُرُوفِهِ إلَى سَبْعَةٍ رَحْمَةٍ بِهَذِهِ الْأَمَةِ. غَايَةُ مَا يَجِبُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ إحَاطَةُ الْمُسْلِمِينَ عِلْمًا بِهَذِهِ الْحُرُوفِ حَتَّى يَتْرُكُوا مَا عَدَاهَا وَلَا يَعْتَمِدُوا سِوَاهَا وَحَتَّى يَعْتَمِدَ كُلٌّ مِنْهُمْ صَوَابُ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ مَا دَامَتْ قِرَاءَتُهُ لَا تَتَعَدَّاهَا. وَمِنْ هُنَا تَجْتَمِعُ كَلِمَتُهُمْ وَتَنْطَفِئُ فَتَنْتَهُمْ عَلَى نَمْطِ مَا فَعَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اشْتَعَلَتْ مِثْلَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَعَالِجُهُمْ بِأَنَّ أَفْهَمَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ أَنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرِفَ وَقَرَّرَ فِيهِمْ هَذَا الْمَعْنَى وَحَكَمَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُخْتَلِفِينَ عَلَى صَوَابٍ فِي قِرَاءَتِهِ وَأَنَّهَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ. وَمَا كَانَ لِعُثْمَانَ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَجَمِيعِ الْأَمَةِ أَنْ يَتْرُكُوا هَدْيَ الرَّسُولِ فِي هَذَا وَإِنْ خَيَّرَ الْهَدْيَ هَدْيَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
بَقِيَ أَنْ نَفَسِّرَ لَك مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّيْنَ الثَّلَاثَةِ إذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا فَقَدْ فَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ عُثْمَانَ أَمْرٍ أَنْ يَتْرُكُوا سِتَّةَ أَحْرِفَ وَيَقْتَصِرُوا فِي نُسَخِ الْمَصَاحِفِ عَلَى حَرْفِ قُرَيْشٍ وَلُغَتِهُمْ وَحْدَهُمْ. وَهَذَا مَرْدُودٌ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَا يُؤَدِّي ذَلِكَ الْمَعْنَى.
ثَانِيهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ فِيهِ كَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ لُغَاتٍ قَبَائِلَ أُخْرَى وَلَيْسَتْ مِنْ لُغَةِ قُرَيْشٍ: اُنْظُرْ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَبْحَثِ نُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرَفَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ فِي النَّوْعِ السَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ الْمَصَاحِفَ الْعُثْمَانِيَّةَ كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْأَحْرَفِ السَّبْعَةِ كَمَا بَيَّنَّا آنِفَا.
رَابِعُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَنْقَلْ إلَيْنَا نَقْلًا صَحِيحًا صَرِيحًا أَنَّهُمْ تَرَكُوا مِنْ الْأَحْرَفِ السَّبْعَةَ شَيْئَا
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout