الْمَذَاهِبُ فِي تَرْتِيبِ السُّورِ:
اخْتُلِفَ فِي تَرْتِيبِ السُّورِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ تَرْتِيبَ السُّورِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ لَمْ يَكُنْ بِتَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ بِاجْتِهَادٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَيُنْسَبُ هَذَا الْقَوْلُ إلَى جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَا اعْتَمَدَهُ مِنْ قَوْلَيْهِ. وَإِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يُشِيرُ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ الْمَسَائِلِ الْخُمُسِ بِقَوْلِهِ: جَمْعُ الْقُرْآنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَأْلِيفُ السُّورِ كَتَقْدِيمِ السَّبْعِ الطَّوَالِ وَتَعْقِيبُهَا بِالْمِئِينِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي تَوَلَّتْهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَأَمَّا الْجَمْعُ الْآخَرُ وَهُوَ الْآيَاتُ فِي السُّورِ فَذَلِكَ شَيْءٌ تَوَلَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ جِبْرِيلُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَدْ اسْتَدَلُّوا عَلَى رَأْيِهِمَا هَذَا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَصَاحِفَ الصَّحَابَةِ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي تَرْتِيبِ السُّورِ قَبْلَ أَنْ يَجْمَعَ الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ فَلَوْ كَانَ هَذَا التَّرْتِيبُ تَوْقِيفِيًّا مَنْقُولًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَاغَ لَهُمْ أَنْ يُهْمِّلُوهُ وَيَتَجَازُوهُ وَيَخْتَلِفُوا فِيهِ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الَّذِي تَصَوَّرُهُ لَنَا الرِّوَايَاتُ. فَهَذَا مُصْحَفُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مَبْدُوءًا بِالْفَاتِحَةِ ثُمَّ الْبَقَرَةُ ثُمَّ النِّسَاءُ ثُمَّ آلَ عِمْرَانَ ثُمَّ الْأَنْعَامَ. وَهَذَا مُصْحَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ مَبْدُوءًا بِالْبَقَرَةِ ثُمَّ النِّسَاءُ ثُمَّ آلَ عِمْرَانُ الْخ عَلَى اخْتِلَافِ شَدِيدٍ. وَهَذَا مُصْحَفٌ عَلَيٍّ كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى النُّزُولِ فَأَوَّلُهُ اقْرَأْ ثُمَّ الْمُدْثَرُ ثُمَّ ق ثُمَّ الْمُزْمَلُ ثُمَّ تَبِتْ ثُمَّ التَّكْوِيرُ وَهَكَذَا إلَى آخِرِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي: مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَشْتِهِ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ حِبَّانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: أَمَرُهُمْ عُثْمَانُ أَنْ يَتَابِعُوا الطَّوَالَ فَجَعَلَ سُورَةَ الْأَنْفَالِ وَسُورَةِ التَّوْبَةِ فِي السَّبْعِ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اهْـ وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ بِهَذَا إلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنَّ عُمَدْتُمْ إلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنْ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةٍ وَهِيَ مِنْ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout