وَلَمْ يَعْرِفْ التَّارِيخَ وَلَنْ يُعْرَفَ قُدْوَةً أَسْمَى وَلَا أُسْوَةَ أَعْلَى وَلَا إمَامَةَ أَسْنَى مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَافَّةِ مَنَاحِي الْكَمَالِ الْبَشْرِيِّ خُصُوصًا خَلَقَهُ الرَّضِيُّ وَأَدَّبَهُ السُّنِّيُّ وَلَا سِيَّمَا صَدَّقَهُ وَأَمَانَتُهُ وَتَحَرِّيهِ وَدِقَّتُهُ.
أَجَلُ فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ مَعْرُوفًا بِالْأَمَانَةِ حَتَّى مِنْ قَبَلِ بَعَثَتِهِ وَرِسَالَتِهِ فَكَانَ إذَا سَارَ أَشَارُوا إلَيْهِ بِالْبُنَانِ وَقَالُوا هَذَا هُوَ الصَّادِقُ وَإِذَا حَكَمَ رَضُوا حُكُومَتَهُ وَقَالُوا هَذَا هُوَ الْأَمِينُ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْفَضَائِلُ الْمُشْرِقَةُ فِيهِ مِنْ بَوَاعِثِ إيمَانِ الْمُنْصِفِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بِهِ. وَلَقَدْ اُضْطُرَّ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِهَا أَعْدَاؤُهُ الْأَلْدَاءُ كَمَا آمَنَ بِهَا أَتْبَاعُهُ الْأَوْفِيَاءَ.
فَهَذَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ زَعَيْمٌ حَزْبَ الْمُعَارَضَةِ لَهُ يُقِرُّ بَيْنَ يَدَيْ قَيْصَرَ الرُّومِ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا عَلَيْهِ كَذِبَةً وَاحِدَةً قَبْلَ رِسَالَتِهِ وَيُكَادُ يُؤْمِنُ الْقَيْصَرَ مُتَأَثِّرًا فِي جُمْلَةِ مَا تَأَثَّرَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ الَّتِي انْطَلَقَ بِهَا لِسَانُ أَلَدِ خُصُومِ مُحَمَّدٍ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ يَقُولُ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى كَلَامِ أَبِي سُفْيَانَ وَالتَّنْوِيهِ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَا كَانَ أَيْ مُحَمَّدٌ لِيَذُرَ الْكَذِبِ عَلَى النَّاسِ وَيُكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَالْحَدِيثِ طَوِيلٌ مَشْهُورٌ يُرْوِيهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْتَ.
وَهَذَا قَائِلٌ قُرَيْشٍ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْرِضٍ مِنْ الْمُعَارِضِ: "إنَّا لَا نَكَذِّبُك وَلَكِنْ نَكَذِّبُ مَا جِئْت بِهِ". وَبِسَبَبِ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .
ومَمَّا يَذْكُرُ بِالْإِعْجَابِ وَالْفَخْرِ لِنَبِيِّ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ عَرَضَ الْإِسْلَاَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَقَبْلَ أَنْ تَقُومَ لِلدَّيْنِ شَوْكَةٌ فَقَالَ كَبِيرِهُمْ: أَرَأَيْتَ إِنَّ نَحْنُ تَابَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَأَجَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الْحَكِيمَةِ الْخَالِدَةِ:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout