الْعَامِلُ الثَّالِثُ
بِسَاطَةُ هَذِهِ الْأَمَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَاقْتِصَارُهَا فِي حَيَاتِهَا عَلَى ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَاةِ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ إلَى التَّرَفِ وَلَا إنْفَاقَ جَهْدٍ أَوْ وَقْتٍ فِي الْكَمَالِيَّاتِ. فَقَدْ كَانَ حَسَبُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ لَقِيمَاتٍ يُقَمَنُ صُلْبُهُ وَكَانَ يَكْفِيهِ مِنْ مَعِيشَتِهِ مَا يَذْكُرُهُ شَاعِرُهُمْ فِي قَوْلِهِ:-
ومَا الْعِيْشُ إلَّا نَوْمَةً وَتَبْطُحُ ... وَتَمْرُّ عَلَى رَأْسِ النَّخِيلِ وَمَاءً
وَمِثْلِك يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْحَيَاةَ الْهَادِئَةَ الْوَادِعَةَ وَتِلْكَ الْعِيشَةَ الرَّاضِيَةَ الْقَاصِدَةَ تُوَفَّرُ الْوَقْتَ وَالْمَجْهُودَ وَتَرْضِي الْإِنْسَانَ بِالْمَوْجُودِ وَلَا تَشْغَلُ الْبَالَ بِالْمَفْقُودِ. وَلِهَذَا أَثَرَهُ الْعَظِيمُ فِي صِفَاءِ الْفِكْرَةِ وَقُوَّةِ الْحَافِظَةِ وَسِيَلَانِ الْأَذْهَانِ خُصُوصًا أَذْهَانِ الصَّحَابَةِ فِي اتِّجَاهِهَا إلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ وَحَدِيثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَذَلِكَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الْقَائِلِ:-
".... فصَادف قلبا خَالِيًا فَتَمَكَّنَا".
الْعَامِل الرَّابِع
حبهُمُ الصَّادِقُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ حَبًّا مَلَكَ مَشَاعِرِهِمْ وَاحْتَلَّ مَكَانَ الْعَقِيدَةِ فِيهِمْ. وَأَنْتَ تُعْرَفُ مِنْ دِرَاسَةِ عِلْمِ النَّفْسِ أَنَّ الْحَبَّ إِذَا صَدِقَ وَتَمَكَّنَ حَمْلُ الْمُحِبِّ حَمْلًا عَلَى تَرْسُّمِ آثَارِ مَحْبُوبِهِ وَالتَّلَذُّذُ بِحَدِيثِهِ وَالتَّنَادُرِ بِأَخْبَارِهِ وَوَعْيَ كُلِّ مَا يَصْدِرُ عَنْهُ وَيُبَدِرُ مِنْهُ. وَمِنْ هُنَا كَانَ حُبُّ الصَّحَابَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ أَقْوَى الْعَوَامِلِ عَلَى حِفْظِهِمْ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الْقَائِلِ:
لهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغِلُهَا ... عَن الشَّرَابِ وَتَلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ
لِهَا بِوَجْهِكِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... وَمَنْ حَدِيثِك فِي أَعْقَابِهَا حَادِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout