كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ أَنْتَ سُهَيْمِي فِيمَا أَمْلَكُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يَقْصِدُ اسْتِثْنَاءَ شَيْءٍ وَهُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْقِلَّةِ فِي مَعْنَى النَّفْيِ. وَعَلَى ذَلِكَ جَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ هُوَدٍ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيُّ غَيْرُ مَقْطُوعً. فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ التَّأْبِيدَ وَالتَّخْلِيدَ بِكَرْمٍ مِنَ اللَّهِ وَسْعَةِ جُودٍ لَا بِتَحْتِيمٍ عَلَيْهِ وَإِيجَابٍ وَأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْلِبَ مَا وَهَبَ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَانِعً.
وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ شَيْئًا كَانَ يَذْكُرُهُ فَذَلِكَ إِنْ صَحَّ فَهُوَ فِي غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْأَحْكَامِ الَّتِي أَمَرَ بِتَبْلِيغِهَا. وَكُلُّ مَا يُقَالُ غَيْرُ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ مُدْخَلَاتِ الْمُلْحَدِينَ الَّتِي جَازَتْ عَلَى عُقُولِ الْمُغَفِّلِينَ فَلَوَّثَوا بِهَا مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ فَلَاَ يَلِيقُ بِمَنْ يَعْرِفُ قَدْرَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُؤْمِنُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَنْ يَتْلِقَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اهـ.
ذلكَ رَأْيٌ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَثَمَّةَ وَجْهٍ آخَرَ فِيهِ وَهُوَ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ حَقِيقِيٌّ غَيْرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْرِئُ نَبِيَّهٌ فَلَاَ يُنْسِيهِ إِلَّاَّ مَا شَاءَهُ وَهُوَ مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ لِحِكْمَةٍ مِنَ الْحُكْمِ الَّتِي بَيْنَهَا الْعُلَمَاءُ فِي مَبْحَثِ النُّسَخِ. وَالدَّلِيلِ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ قال العلامَةُ أَبُو السُّعُودِ فِي تَفْسِيرِهِ: وَقُرِئَ مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسُكِهَا وَقُرِئَ مَا نُنْسُكَ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَخُهَا وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ آيَةٍ نَذْهَبُ بِهَا عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ وَالْمَصْلَحَةُ مِنْ إِزَالَةِ لَفْظِهَا أَوْ حُكْمِهَا أَوْ كِلَيْهِمَا مَعًا إِلَى بَدَلٍ أَوْ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ ﴿نََأَْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أيُّ نَوْعٌ آخَرُ هُوَ خَيْرٌ لِلْعِبَادِ بِحَسَبِ الْحَالِ فِي النَّوْعِ وَالثَّوَابِ مِنَ الذَّاهِبَةِ. وَقُرِئَ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ أَلْفًا أَوْ مِثْلُهَا أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ النَّفْعِ وَالثَّوَابِ اهْـ مَا أَرَدْنَا نَقَلَهُ.
وَأَيَّا مَا يَكُنْ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي آيَةِ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فإِنَّهُ لا يَفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ حَرْفًا وَاحِدًا مِمَّا أُمَرَ بِتِلَاوَتِهِ وَتَبْلِيغِهِ لِلْخُلْقِ،
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout