وَمِنْ هُنَا كَانَ حِفَاظُ الْقُرْآنِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمًّا غَفِيرًا مِنْهُمْ الْأَرْبَعَةَ الْخُلَفَاءَ وَطَلْحَةٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمُعَاوِيَةُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ السَّائِبِ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَامْ سَلَمَةَ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَحِفَظَ الْقُرْآنِ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدِ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَمُجْمَعُ بْنُ حَارِثَةَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو زَيْدٍ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ أَنَسٌ فَقَالَ أَنَّهُ أَحَدُ عُمُومَتِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَقِيلَ إنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ إنَّمَا أَكْمَلُ حِفْظَهُ لِلْقُرْآنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم. وَأَيًّا مَا تَكُنْ الْحَالُ فَإِنَّ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا كَثِيرِينَ حَتَّى كَانَ عَدَدَ الْقَتْلَى مِنْهُمْ بِبِئْرٍ مَعُونَةٍ وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ قَدْ قُتَلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ مِنْ الْقِرَاءِ. وَقُتِلَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِئْرٍ مَعُونَةٍ مِثْلُ هَذَا الْعَدَدِ.
قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْجُزْرِيِّ: ثُمَّ إنَّ الِاعْتِمَادَ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ عَلَى حِفْظِ الْقُلُوبِ وَالصُّدُورِ لَا عَلَى خَطِّ الْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبَ. وَهَذِهِ أَشْرَفُ خَصِيصَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأَمَةِ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إنَّ رَبِّي قَالَ لِي قُمْ فِي قُرَيْشٍ فَأَنْذَرَهُمْ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ رَبِّ إذَنْ يَثْلُغُوا رَأْسِي حَتَّى يَدْعُوَهُ خُبْزَةً. فَقَالَ: إنِّي مُبْتَلِيك وَمُبْتَلٌ بِك وَمَنْزِلٌ عَلَيْك كِتَابًا لَا يُغَسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرُّؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانِ فَابْعَثْ جَنْدًا أَبْعَثَ مِثْلَهُمْ وَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَكَ مِنْ عِصَاكٍ. وَأَنْفَقَ يُنْفِقُ عَلَيْك" فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلَى صَحِيفَةٍ تَغْسَّلُ بِالْمَاءِ بَلْ يَقْرَأُ فِي كُلِّ حَالٍ كَمَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَمَتِهِ أَنَاجِيلَهُمْ صُدُورُهُمْ وَذَلِكَ بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَا يَحْفَظُونَهُ إلَّا فِي الْكُتُبِ وَلَا يَقْرُؤُونَهُ كُلُّهُ إِلَّا نَظَرًا لَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ. اهْـ مَا أَرَدْنَا نَقَلَهُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout