نَزَلِ الْقُرْآنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ هِمَّتُهُ بَادِئٌ ذِي بَدْءٍ مُنْصَرِفَةٍ إلَى أَنْ يَحْفَظَهُ وَيَسْتَظْهِرُهُ ثُمَّ يَقْرَأُهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ لِيَحْفَظُوهُ وَيَسْتَظْهِرُوهُ ضَرُورَةً أَنَّهُ نَبِيُّ أُمِّي بَعَثَهُ اللَّهُ فِي الْأَمِّيَيْنِ. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ اهـ مِنْ سُورَةِ الْجُمُعَةِ. وَمِنْ شَأْنِ الْأُمِّيِّ أَنْ يَعُوَّلَ عَلَى حَافِظَتِهِ فِيمَا يَهِمْهُ أَمْرُهُ وَيَعْنِيهِ اسْتِحْضَارُهُ وَجَمْعُهُ. خُصُوصًا إذَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةِ الْحِفْظِ وَالِاسْتِظْهَارِ مَا يُيَسُرُ لَهُ هَذَا الْجَمْعُ وَالِاسْتِحْضَارُ. وَكَذَلِكَ كَانَتْ الْأَمَةُ الْعَرَبِيَّةُ عَلَى عَهْدِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَهِيَ مُتَمَتِّعَةٌ بِخَصَائِصِ الْعُرُوبَةِ الْكَامِلَةِ الَّتِي مِنْهَا سُرْعَةُ الْحِفْظِ وَسِيَلَانُ الْأُذْهَانِ حَتَّى كَانَتْ قُلُوبُهُمْ أَنَاجِيلَهُمْ وَعُقُولُهُمْ سَجَلَاتُ أَنْسَابِهِمْ وَأَيَّامُهُمْ وَحَوَافِظُهُمْ دَوَاوَينَ أَشْعَارَهُمْ وَمَفَاخِرُهُمْ. ثُمَّ جَاءَ الْقُرْآنُ فَبَهْرِهِمْ بِقُوَّةِ بَيَانِهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَشَاعِرُهُمْ بِسَطْوَةِ سُلْطَانِهِ وَأَسْتَأْثَرُ بِكَرِيمِ مَوَاهِبِهِمْ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ فَخَلَعُوا عَلَيْهِ حَيَاتَهُمْ حِينَ عَلِمُوا أَنَّهُ رُوحُ الْحَيَاةِ.
أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَلَغَ مِنْ حَرْصِهِ عَلَى اسْتِظْهَارِ الْقُرْآنِ وَحِفْظُهُ أَنَّهُ كَانَ يُحَرُّكُ لِسَانَهُ فِيهِ فِي أَشَدِّ حَالَاتٍ حَرْجِهِ وَشِدَّتِهِ وَهُوَ يَعَانِي مَا يُعَانِيهِ مِنْ الْوَحْيِ وَسَطْوَتِهِ وَجِبْرِيلُ فِي هُبُوطِهِ عَلَيْهِ بِقُوَّتِهِ. يَفْعَلُ الرَّسُولَ كُلُّ ذَلِكَ اسْتِعْجَالًا لِحِفْظِهِ وَجَمْعُهُ فِي قَلْبِهِ مَخَافَةً أَنَّ تَفُوتَهُ كَلِمَةً أَوْ يُفَلْتُ مِنْهُ حَرْفٌ. وَمَا زَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ حَتَّى طَمَأَنَهُ رَبُّهُ بِأَنْ وَعَدَهُ أَنْ يَجْمَعَهُ لَهُ فِي صَدْرِهِ وَأَنْ يَسْهُلَ لَهُ قِرَاءَةُ لَفْظِهِ وَفُهِمَ مَعْنَاهُ فَقَالَ لَهُ فِي سُورَةِ الْقِيَامَةِ ﴿ِلا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وقَال له فِي سُورَةِ طه ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout