بِآيَاتِهِ وَنَعَمِهِ فَحَسَبَ. بَلْ هُوَ أَيْضًا إقَامَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ تَنْزِلَ الْوَحْيُ أَشْبَهَ بِضَحْوَةِ النَّهَارِ وَأَنَّ فِتْرَةَ الْوَحْيِ أَشْبَهَ بِهِدْأَةِ اللَّيْلِ فَإِذَا كَانُوا يَتَقَبَّلُونَ الضُّحَى وَاللَّيْلَ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ نَفْعِ الْإِنْسَانِ بِالسَّعْيِ وَالْحَرَكَةِ وَالْحَيَاةِ بِالنَّهَارِ وَالنَّوْمِ وَالِاسْتِجْمَامِ بِاللَّيْلِ يَجِبُ أَنْ يَتَقَبَّلُوا أَيْضًا مَا يَجْرِي عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ وَفِتْرَتِهُ لِلْمَعْنَى الَّذِي سَلَفَ.
الْمِثَالُ الثَّانِي: أَقْسِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فِي قَوْلِهِ جُلَّ ذِكْرَهُ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قَالَ الْعَلامَةُ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ السُّورَةِ مَا نَصُّهُ:
وَقَدْ يُرَجِّحُ أَنَّهُمَا أَيْ الَّتِّينِ وَالزَّيْتُونَ النَّوْعَانِ مِنْ الشَّجَرِ وَلَكِنْ لَا لِفَوَائِدِهِمَا كَمَا ذَكَرُوا بَلْ لِمَا يَذْكِرَانِ بِهِ مِنْ الْحَوَادِثِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَهَا الْآثَارُ الْبَاقِيَةُ فِي أَحْوَالِ الْبَشَرِ. قَالَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَذْكُرْنَا بِأَرْبَعَةِ فُصُولٍ مِنْ كِتَابِ الْإِنْسَانِ الطَّوِيلِ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَظِلُّ فِي تِلْكَ الْجَنَّةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا بِوَرِقِ التِّينِ وَعِنْدَمَا بُدَتْ لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ سَوآتُهُمَا طِفْقًا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ التِّينَ. وَالزَّيْتُونِ إشَارَةً إِلَى عَهْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذُرِّيَّتُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنَّ فَسَدَ الْبَشَرَ وَأَهْلِكَ مِنْ أَهْلِكَ مِنْهُ بِالطَّوْفَانِ وَنَجَّى نُوحٌ فِي سَفِينَتِهِ وَاسْتَقَرَّتْ السَّفِينَةُ نَظَرَ نُوحٍ إِلَى مَا حَوْلَهُ فَرَأَى الْمِيَاهَ لَا تُزَالُ تُغَطِّي وَجْهُ الْأَرْضِ فَأَرْسَلَ بَعْضَ الطُّيُورِ لَعَلَّهُ يَأْتِي إِلَيْهِ بِخَبَرِ انْكِشَافِ الْمَاءِ عَنْ بَعْضِ الْأَرْضِ فَغَابَ وَلَمْ يَأْتِ بِخَبَرٍ فَأَرْسَلَ طَيْرًا آخَرَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ يُحْمَلُ وَرَقَةً مِنْ شَجَرِ الزَّيْتُونِ فَاسْتَبْشَرَ وَسِرٌ وَعُرَفَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ قَدْ سَكَنَ وَقَدْ أَذِنَ لِلْأَرْضِ أَنْ تَعْمَرَ ثُمَّ كَانَ مِنْهُ وَمِنْ أَوْلَادِهِ تَجْدِيدُ الْقَبَائِلِ الْبَشَرِيَّةِ الْعَظِيمَةِ فِي الأَرْضِ الَّتِي امْحَى عِمْرَانَهَا فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ بِزَمَنِ الزَّيْتُونِ. وَالْإِقْسَامِ هُنَا بِالزَّيْتُونِ لِلتَّذْكِيرِ بِتِلْكَ الْحَادِثَةِ وَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ مَا يَذْكُرُ مِنَ الْحَوَادِثِ.
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ إشَارَةَ إِلَى عَهْدِ الشَّرِيعَةِ الْمَوْسُوِيَّةِ وَظُهُورِ نُورِ التَّوْحِيدِ فِي الْعَالِمِ،
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout