فَقَدْ تَأَثَّرَ الْقُرْآنُ بِهَذَا الْوَسَطِ الرَّاقِي الْجَدِيدِ وَخَلَا مِنْ تِلْكَ الْأَيْمَانِ الْحِسِّيَّةِ الدَّالَّةَ عَلَى الْبِسَاطَةِ وَالسِّذَاجَةِ.
وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ مَدْفُوعَةٌ أَوَّلًا: بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا أَرْقَى ذَوْقًا وَأَعْلَى كَعْبًا وَأَعْظَمَ ذَكَاءَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّ الْخِطَابَ مَعَهُمْ كَانَ مَلْحُوظًا فِيهِ اشْتِمَالُهُ عَلَى أَسْرَارٍ وَخَصَائِصَ لَا يُدْرِكُهَا إلَّا الْمُتَفَوِّقُونَ وَالْمُتَمَهِّرُونَ فِي صِنَاعَةِ الْبَيَانِ. فَلَا يَسْتَقِيمُ إذْنْ مَا زَعَمُوهُ مِنْ أَنَّ مَدَارَكَ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَتْ لَا تَعْدُو حُدُودَ الْحُسَيَّاتِ. وَالتَّارِيخُ خَيْرٌ شَاهِدٍ وَأَعْدَلَ حَاكِمٌ بِامْتِيَازِ الْعَرَبِ فِي مَكَّةَ عَنْ سَائِرِ الْقَبَائِلِ عَلَى عَهْدِ نُزُولِ الْقُرْآنِ.
ثَانِيَا: أَنَّ الْقَسْمَ بِالْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ فِي الْقُرْآنِ كَالضُّحَى وَاللَّيْلِ لَيْسَ مَنْشُؤُهُ انْحِطَاطُ الْقَوْمِ كَمَا يَزْعُمُونَ إنَّمَا مَنْشَؤُهُ رِعَايَةً مُقْتَضَى الْحِلِّ فِيمَا سَبَقَ الْقَسْمُ لِأَجْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ بِصَدَدِ عِلَاجٍ أَفْحَشِ الْعَقَائِدِ فِيهِمْ وَهِيَ عَقِيدَةُ الشِّرْكِ. وَلَا سَبِيلَ إلَى اسْتِئْصَالِ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ وَإِقَامَةِ صَرَّحِ التَّوْحِيدِ عَلَى أَنْقَاضِهَا إلَّا بِلَفْتْ عُقُولُهِمْ إلَى مَا فِي الْكَوْنِ مِنْ شُؤُونِ اللَّهِ وَخَلَقَ اللَّهِ وَإِلَّا بِفَتْحِ عُيُونِهِمْ عَلَى طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ نَعَمِ الْخَلْقِ الْمُحِيطَةِ بِهِمْ لِيُصَلُّوا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَحْدَهُ مَا دَامَ هُوَ الْخَالِقُ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ عَقْلًا إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ أَثَرُ الْخَلْقِ فِي الْعَالَمِ فِعْلَا. ﴿أََفَِمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾؟.
فعَرض بَعض الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى أَنْظَارِ الْجَاحِدَيْنَ بِالتَّوْحِيدِ بَعْدَ إقْرَارِهِمْ أَنَّ لَيْسَ لَهَا خَالِقٌ إِلَّا اللَّهُ إلْزَامٌ لَهُمْ بِطَرْحِ الشِّرْكِ وَتَوْحِيدِ الْخَالِقِ. وَهَذَا مُطْمَحُ نَبِيلٌ أَجَادَ الْقُرْآنُ فِي أَسَالِيبِ عَرْضَ نَعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِهِ وَكَانَ فِي إجَادَتِهِ هَذِهِ مُوفِيًا عَلَى الْغَايَةِ وَأَصْلًا إلَى قِمَّةِ الْإِعْجَابِ كَعَادَتِهِ مُتَفَنِّنًا فِي ذِكْرِ النِّعَمِ مَنُوعًا فِي سَرْدِهَا وَبَيَانُهَا
فَمَرَّةً يُحَدِّثُ عَنْ خَلْقِ السَّمَاءِ وَمَرَّةً عَنْ خَلْقِ الْأَرْضِ وَثَالِثَةٌ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَرَابِعَةٍ عَنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْجِمَادِ وَهَلَمَّ جَرًّا. وَتَارَةً يَخْتَارُ الْقُرْآنَ فِي عِرْضِهِ طَرِيقَةُ السَّرْدِ وَالشَّرْحِ،
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout