أَسْلَفْنَا أَنَّ الْقُرْآنَ يُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْكَلِمَاتِ الْحُكْمِيَّةِ الْأَزْلِيَّةِ وَهَذَانِ الْإِطْلَاقَانِ لَا تَعَدَّدُ فِيهِمَا أَلْبَتَّةَ لَا حَقِيقَةً وَلَا اعْتِبَارًا. بَلْ هُمَا مَنْزِهَانِ عَنْهُ لِأَنَّ التَّعَدُّدَ مِنْ أَمَارَاتِ الْحُدُوثِ. كَيْفَ وَهُمَا قَدِيمَانِ؟
وَإِذَا فَلَفَظَ الْقُرْآنُ عُلِمَ شَخْصٌ بِهَذَيْنِ الْإِطْلَاقَيْنِ لَا مَحَالَةَ. أَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْقُرْآنِ اللَّفْظُ الْمَنْزِلِ فَهُنَا يَكُونُ الْخِلَافُ
فَالرَّأْيُ السَّائِدُ أَنَّهُ عَلِمَ شَخْصٌ مَدْلُولُهُ تِلْكَ الْآيَاتِ الْمَنْزِلَةَ الْمُمْتَازَةِ بِخَصَائِصِهَا الْعُلْيَا مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ إلَى آخِرِ سُورَةِ النَّاسِ. وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ الْمُعَيَّنَةُ لَا يَقْدَحُ فِي تَشَخُّصِهَا اخْتِلَافُ الْمُتَلَفِّظِينَ وَلَا تَعَدُّدُ الْقَارِئِيْنِ كَمَا لَا يَقْدَحُ فِي تَشَخُّصِ مَحْمُودٍ مَثَلًا أَنْ يَكُونَ فِي مَكَّةَ أَوْ فِي الْمَدِينَةِ وَلَا أَنْ يَتَقَلَّبَ فِي أَطْوَارٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ طُفُولَةٍ إلَى شَيْخُوخَةٍ وَمِنْ صِحَّةٍ إلَى مَرَضٍ وَمِنْ حَيَاةٍ إلَى مَوْتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ عِلْمُ جِنْسٍ نَظَرًا إلَى تَعَدُّدِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَنْزِلَةِ بِتَعَدُّدِ قَارِئِيْهَا وَكَاتَبَيْهَا. وَهَذَا مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّ عِلْمَ الْجِنْسِ ضَرُورَةٌ نَحْوِيَّةٌ اقْتَضَتْهَا أَحْكَامٌ لَفْظِيَّةٍ كَامْتِنَاعِ إضَافَتِهِ وَدُخُولِ أَلْ عَلَيْهِ. وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا لَفْظِيَّةَ.
ثَانِيهِمَا: أَنَّ عِلْمَ الْجِنْسِ نَكِرَةٌ فِي الْمَعْنَى. وَأَفْرَادِهِ مُنْتَشِرَةً مُتَعَدِّدَةٌ حَقِيقَةً لَا اعْتِبَارًا. وَالتَّعَدُّدُ الْمَلْحُوظُ هُنَا اعْتِبَارِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ. لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ أَوْ يَكْتُبُهُ كُلٌّ مِنَّا فَهُوَ الْقُرْآنُ عَيْنُهُ لَا فَرْدَ مِنْ أَفْرَادِهِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout