سَبَبُهَا أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ ظَاهِرٌ مِنْ زَوْجَتِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَالْحُكْمُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَاتُ خَاصٌّ بِهِمَا وَحْدَهُمَا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ أَمَّا غَيْرُهُمَا فَيُعْلَمُ بِدَلِيلٍ آخَرَ قِيَاسًا أَوْ سِوَاهُ. وَبِدَهِيٍ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمَقْصُودِ بِهَذَا الْحُكْمِ وَلَا الْقِيَاسُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا عَلِمَ السَّبَبَ وَبِدُونِ مَعْرِفَةِ السَّبَبِ تَصِيرُ الْآيَةُ مُعْطِلَةً خَالِيَّةً مِنْ الْفَائِدَةِ.
الْفَائِدَةِ الْخَامِسَةِ: مَعْرِفَةُ أَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ حُكْمِ الْآيَةِ إذَا وَرَدَ مُخَصَّصٌ لَهَا. وَذَلِكَ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ السَّبَبِ بَاقٍ قَطْعًا. فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ قَاصِرًا عَلَى مَا سِوَاهُ. فَلَوْ لَمْ يَعْرَفْ سَبَبُ النُّزُولِ لَجَازَ أَنْ يُفْهَمَ أَنَّهُ مِمَّا خَرَجَ بِالتَّخْصِيصِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ قَطْعًا لِلْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ. وَلِهَذَا يَقُولُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: وَلِذَلِكَ يُشِيرُ إلَى امْتِنَاعِ إخْرَاجِ السَّبَبِ بِحُكْمِ التَّخْصِيصِ بِالِاجْتِهَادِ غَلَطَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي إخْرَاجِ الْأَمَةِ الْمُسْتَفْرَشَةِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ". وَالْخَبَرِ إنَّمَا وَرَدَ فِي وَلِيدَةِ زَمْعَةٍ إذْ قَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هُوَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةَ أَبِي وَلَدٍ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجْرَ" فَأَثْبَتَ لِلْأَمَةِ فِرَاشًا وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَبْلُغْهُ السَّبَبُ فَأَخْرَجَ الْأَمَةَ مِنْ الْعُمُومِ اهْـ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ: مَعْرِفَةُ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ عَلَى التَّعْيِينِ حَتَّى لَا يَشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ فِيُتَّهَمُ الْبَرِيءُ وَيَبْرَأُ الْمَرِيبُ مَثَلًا. وَلِهَذَا رُدَّتْ عَائِشَةُ عَلَى مَرْوَانَ حِينَ اُتَّهِمَ أَخَاهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِأَنَّهُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ الخ مَنْ سُورَةَ الأَحْقَافِ. وَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِهِ وَلَوْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُ لِسُمِّيَّتِهِ إلَى آخِرِ تِلْكَ الْقِصَّةَ.
الْفَائِدَةِ السَّابِعَةَ: تَيْسِيرُ الْحِفْظِ وَتَسْهِيلُ الْفَهْمِ وَتَثْبِيتُ الْوَحْيِ فِي ذِهْنِ كُلِّ مَنْ يَسْمَعُ الْآيَةَ إذَا عُرِفَ سَبَبُهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ رَبْطَ الْأَسْبَابِ بِالْمُسَبَّبَاتِ وَالْأَحْكَامِ بِالْحَوَادِثِ وَالْحَوَادِثِ بِالْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ. كُلُّ أُولَئِكَ مِنْ دَوَاعِي تَقَرُّرِ الْأَشْيَاءِ وَانْتِقَاشِهَا فِي الذِّهْنِ وَسُهُولَةِ اسْتِذْكَارِهَا عِنْدَ اسْتِذْكَارِ مُقَارَنَاتِهَا فِي الْفِكْرِ وَذَلِكَ هُوَ قَانُونٌ تُدَاعِي الْمَعَانِي الْمُقَرَّرِ فِي عِلْمِ النَّفْسِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout