هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى ثُمَّ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ شَابًّا فِيهِ حَيَاةً وَقُوَّةٌ يُنْصَرُ بِهِمَا الرَّسُولُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيُؤَازِرُهُ حِينَ يُخْرِجُهُ قَوْمُهُ وَلَمْ تَذْكُرْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ أَنَّهُ أَلْقَى إِلَى الرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عِظَّةً أَوْ دَرْسَ لَهُ دَرْسًا فِي الْعَقَائِدِ أَوْ التَّشْرِيعِ وَلَا أَنَّ الرَّسُولَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ كَمَا يُتَوَهَّمُونَ أَوْ يُوهِمُونَ فَأَنّى لَهُمْ مَا يَقُولُونَ وَأَيُّ مُنَصِّفٌ يَسْمَعُ كَلِمَةَ وَرَقَةِ هَذِهِ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَعِيشَ حَتَّى يَكُونَ تِلْمِيذًا لِمُحَمَّدٍ وَجُنْدِيًّا مُخْلِّصًا فِي صَفِّهِ يَنْصُرُهُ وَيُدَافِعُ عَنْهُ فِي وَقْتِ الْمَحْنَةِ وَلَكِنّ الْقَوْمَ رَكِبُوا رُؤُوسَهُمْ عَلَى رَغْمِ ذَلِكَ وَحَاوِلُوا قَلْبَ الْأَوْضَاعِ وَإِيهَامُ أَنَّ وَرَقَةً هُوَ الْأُسْتَاذُ الْخُصُوصِيُّ الَّذِي اسْتَقَى مِنْهُ مُحَمّدٌ دَيْنَهُ وَقُرْآنِهُ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ؟.
الشُّبهَة الرّابِعَةَ وَدَفَعَهَا:
يَقُولُونَ: إنَّ إعْجَازَ الْقُرْآنِ لِلْبَشَرِ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى قَدْسِيَّتِهِ وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَشَاهِدَ ذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ مُتَأَدِّبٍ أُسْلُوبًا خَاصًّا بِهِ يَتْبَعُ اسْتِعْدَادُهُ الْأَدْبِيّ وَمَزَاجَهُ الشَّخْصِيّ وَهَذَا الْأُسْلُوبُ الْخَاصُّ يَسْتَحِيلُ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ ضَرُورَةَ اخْتِلَافِ مَوَاهِبِ الْمُتَأَدِّبِينَ وَأَمْزَجَتُهُمْ وَمَعَ هَذَا فَإِعْجَازُ كُلِّ أُسْلُوبٍ لِغَيْرِ صَاحِبِهِ وَعَجَزَ كُلّ مُتَأَدِّبٍ عَنْ الْإِتْيَانِ بِأُسْلُوبِ غَيْرِهِ لَمْ يَضَفْ عَلَى الْأَسَالِيبِ الْبَشَرِيَّةِ شَيْئًا مِنْ الْقَدَسِيَّةِ وَأَنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ فَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَلَامُ مُحَمَّدٍ وَيَعْتَرِفُونَ بِإِعْجَازِهِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ.
وَنَدْفَعِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ أَوَّلًا بِوُجُوهِ الْإِعْجَازِ الَّتِي بَسُطْنَاهَا سَابِقًا غَيْرَ وَجْهِ الْإِعْجَازِ بِالْأُسْلُوبِ.
ثَانِيًا أَنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ مُغَالَطَةٌ فَإِنَّ التَّحَدِّيَ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ مَعْنَاهُ مُطَالَبَةُ النَّاسِ أَنْ يُجِيئُوا بِنَفْسِ صُورَتِهِ الْكَلَامِيَّةِ وَمِنْهَاجِهِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ أُسْلُوبُهُ حَتَّى تُرُدَّ هَذِهِ الشُّبْهَةُ بَلْ مَعْنَاهُ مُطَالَبَةُ النَّاسِ أَنْ يُجِيئُوا بِكَلَامٍ مِنْ عِنْدِهِمْ أَيًّا كَانَتْ صُورَتُهُ وَمَزَاجَهُ وَأَيًّا كَانَ نَمْطُهُ وَمِنْهَاجُهُ وَلَكِنْ عَلَى شَرْطٍ أَلَّا يَطِيشُ فِي الْمِيزَانِ إذَا قِيسَ هُوَ وَالْقُرْآنِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout