الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ وَدَفْعَهَا:
يَقُولُونَ نَحْنُ لَا نَشُكُّ فِي صِدْقِ مُحَمَّدٍ فِي إخْبَارِهِ عَمَّا رَأَى وَسَمِعَ وَلَكِنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ نَفْسَهُ هِيَ مَنْبَعُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِلْمِيًّا أَنَّ هُنَاكَ غَيْبًا وَرَاءَ الْمَادَّةِ يَصِحُّ أَنْ يَتَنَزَّلَ مِنْهُ قُرْآنٌ أَوْ يُفِيضُ عَنْهُ عِلْمٌ أَوْ يَأْتِي مِنْهُ دَيْنٌ ثُمَّ ضَرَبُوا لِذَلِكَ مَثَلًا فَقَالُوا إنَّ الْفِتَاةَ الْفَرَنْسِيَّةَ جَانَ دَارِكُ النَّاشِئَةِ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ عَشَرَ الْمِيلَادِيِّ قَدْ حَدَّثَ التَّارِيخُ عَنْهَا أَنَّهَا اعْتَقَدَتْ وَهِيَ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا بَعِيدَةٌ عَنْ التَّكَالِيفِ السِّيَاسِيَّةِ أَنَّهَا مُرْسَلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِإِنْقَاذِ وَطَنِهَا وَدَفْعِ الْعَدُوِّ عَنْهُ وَاعْتَقَدَتْ أَنَّهَا تُسْمَعُ صَوْتَ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ يَحُضُّهَا عَلَى الْقِتَالِ وَالْجِهَادِ وَانْطَلَقَتْ تَحْتَ هَذَا التَّأْثِيرِ فَجُرَدَتْ حَمْلَةً عَلَى أَعْدَاءِ وَطَنِهَا وَقَادَتْ الْجَيْشُ بِنَفْسِهَا فَقُهْرَتُهُمْ ثُمَّ دَارَتْ الدَّائِرَةُ فَوَقَعَتْ أَسِيرَةً وَمَاتَتْ مَيْتَةُ الْأَبْطَالِ فِي مَيْدَانِ النِّزَالِ وَلَا يَزَالُ ذِكْرُهَا يَتَلَأَلَأُ نُورًا وَيُعْبِقُ أَرِيجًا حَتَّى لَقَدْ قَرَّرَتْ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةَ قَدَاسَتُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا بِزَمَنٍ.
وَنَدْفَعِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِأُمُورٍ:
أَوَّلِهَا تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي أَقَمْنَاهَا هُنَاكَ عَلَى إثْبَاتِ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ الْحَقِيقِيِّ لَا الْوَحْيُ النَّفْسِيُّ الْخَيَّالِيُّ مَعَ دَفْعِ الشُّبُهَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهَا بِالْمَبْحَثِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
ثَانِيهَا هَذِهِ الْأَدِلَّةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ الَّتِي أَقَمْنَاهَا وُجُوهًا لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ فَفِي كُلِّ وَجْهٍ مِنْهَا دَفْعُ كَافٍ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ وَالْإِنْصَافِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَحْدُودٌ الْقُوَى وَالْمَوَاهِبُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْرِقَ النَّوَامِيسَ الْكَونِيَّةَ الْعَادِيَةَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ إعْجَازِ الْقُرْآنِ فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا عَلَى حَرْفِ الْقُرْآنِ لِلنَّوَامِيسِ الْكَونِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ وَخَرَقَهَا لَا يَمْلِكُهَا إلَّا مِنْ قَهْرِ الْكَوْنِ وَنَوَامِيسِهِ وَكَانَ لَهُ السُّلْطَانُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْعَالِمِ وَمَا فِيهِ وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا مُحَمَّدٌ وَلَا غَيْرُ مُحَمَّدٍ لَا بِالْعَقْلِ الْبَاطِنِ وَلَا الظَّاهِرُ لَا بِالْوَحْيِ النَّفْسِيِّ وَلَا الِانْفِعَالُ الْعَصْبِيِّ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout