وَلَقَدْ أَرْسَلُوا إلَيْهِ الْأَذَى بَعْدَ ذَلِكَ فِي مُهَاجِرِهِ فَشَبَتْ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي خَمْسٍ وَسَبْعِينَ مُوقِعَةٌ مِنْهَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ غَزْوَةً وَثَمَانٍ وَأَرْبَعُونَ سَرِيَّةً.
فَهَلْ يَرْضَى عَاقِلٌ لِنَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ إنَّ الْعَرَبَ كَانُوا مَصْرُوفِينَ عَنْ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ وَنَبِيِّ الْقُرْآنِ وَإِنَّهُمْ كَانُوا مُخْلِدِينَ إلَى الْعَجْزِ وَالْكَسْلِ زَاهِدَيْنِ فِي النُّزُولِ إلَى هَذَا الْمِيْدَانِ؟
وَهَلْ يَصِحُّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُمْ كَانُوا فِي تَشَاغُلٍ عَنْ الْقُرْآنِ غَيْرَ مَعْنَيَيْنِ بِهِ وَلَا آبِهَيْنَ لَهُ؟
وَإِذَا كَانَ أَمْرَ الْقُرْآنِ لَمْ يُحَرِّكْهُمْ وَلَمْ يَسْتَرِعْ انْتِبَاهُهُمْ فَلِمَاذَا كَانَتْ جَمِيعُ هَذِهِ الْمُهَاتَرَاتِ وَالْمُصَاوَلَاتِ مَعَ أَنَّ خَصْمَهُمْ الَّذِي يَزْعُمُونَ خُصُومَتَهُ قَدْ قَصَرَ لَهُمْ الْمَسَافَةَ وَدَلّهُمْ عَلَى أَنَّ سَبِيلَهُمْ إلَى إسْكَاتِهِ هُوَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ أَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا مَادِيًا عَلَى أَنَّ قُعُودَهُمْ عَنْ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ إلَّا بِسَبَبِ شُعُورِهِمْ بِعَجْزِهِمْ عَنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ وَاقْتِنَاعِهِمْ بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَإِلَّا فَلِمَاذَا آثَرُوا الْمُلَاكَمَةَ عَلَى الْمُكَالَمَةِ وَالْمُقَارَعَةِ بِالسُّيُوفِ عَلَى الْمُعَارَضَةِ بِالْحُرُوفِ؟!
وَقَدْ يَظُنُّ جَاهِلٌ أَنَّ حِمَاسَتَهُمْ فِي خُصُومَتِهِمْ هَذِهِ لَيْسَ مَبْعَثُهَا شُعُورُهُمْ بِقُوَّةِ الْقُرْآنِ وَإِعْجَازِهِ وَإِنَّمَا مَبَعَثُهَا بُغْضُهُمْ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَكِنَّ هَذَا الظَّنّ يُكَذِّبُهُ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ تَارِيخِيًّا وَثَابِتُ ثُبُوتًا قَطْعِيًّا مِنْ أَنَّ مُحَمّدًا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ عَدَاوَةٌ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ بَلْ كَانُوا أَمَةً وَاحِدَةً وَقَبِيلَةً وَاحِدَةً وَكَانَ الرّسُولُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَحَبّ النَّاسِ إلَيْهِمْ لِدِمَاثِهِ أَخْلَاقُهُمْ وَلِلرَّحِمِ الْمَاسَّةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ.
وَقَدْ يَظُنُّ آخَرُ أَنْتِ حَمَاسَةُ قُرَيْشٍ فِي خُصُومَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ وَأَتْبَاعِهِ إنَّمَا كَانَ مُبْعَثُهَا مُجَرَّدُ الْمُخَالَفَةِ فِي الدَّيْنِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إعْجَازِ هَذَا الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَهَذَا ظَنٌّ خَاطِئٍ أَيْضَا
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout