وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْقُرْآنَ بَلَغَ فِي تَأْثِيرِهِ وَنِجَاحِهِ مَبْلَغًا خَرَقَ بِهِ الْعَادَةُ فِي كُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَالنَّاسِ وَخَرَجَ عَنْ الْمَعْهُودِ فِي سُنَنِ اللَّهِ مِنْ التَّأْثِيرِ النَّافِعِ بِالْكَلَامِ وَغَيْرِ الْكَلَامِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِصْلَاحَ الْعَامَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالِانْقِلَابُ الْعَالَمِيُّ الَّذِي تَرَكَهُ هَذَا الْكِتَابُ مَا حَدَثَ وَلَمْ يَكُنْ لِيَحْدِثَ فِي أَيِّ عَهْدٍ مِنْ عُهُودِ التَّارِيخِ قَدِيمَهُ وَحَدِيثُهُ إلَّا عَلَى أَسَاسٍ مِنْ الْإِيمَانِ الْعَمِيقِ الْقَائِمِ عَلَى وِجْدَانٍ قَوِيٍّ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ مِنْ السُّلْطَانِ الْقَاهِرِ عَلَى النُّفُوسِ وَالْحُكْمِ النَّافِذِ عَلَى الْعَوَاطِفِ وَالْمُيُولِ مَا يَصِدُّ النَّاسُ عَنْ نَهْجِهِمْ الْأَوَّلِ فِي عَقَائِدِهِمْ الَّتِي تَوَارِثُوهَا وَعِبَادَتُهُمْ الَّتِي أَلْفُوهَا وَأَخْلَاقُهُمْ الَّتِي نَشَؤُوا عَلَيْهَا وَعَادَاتِهُمْ الَّتِي امْتَزَجَتْ بِدِمَائِهِمْ وَمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى اعْتِنَاقِ هَذَا الدَّيْنِ الْجَدِيدِ الَّذِي هَدَمَ تِلْكَ الْمَوْرُوثَاتِ فِيهِمْ وَحَارِبُ تِلْكَ الْأَوْضَاعِ الْمَأْلُوفَةِ لَدَيْهِمَ.
وَهَذَا الْأَسَاسَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ تَقْصَرُ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ جَمِيعُ الْكُتُبِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّتِي يُؤَلِّفُهَا الْعُلَمَاءُ وَالْمُصْلِحُونَ وَتَعْجَّزُ عَنْ إيجَادِهِ كَافَّةَ الْقَوَانِينَ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي يَضَعُهَا الْقَادَةُ وَالْمُشْتَرِعُونَ لِأَنَّ قُصَارَى هَذِهِ الْكُتُبِ وَالْقَوَانِينَ إذَا وَفَّقَتْ أَنْ تَشْرَحَ الْحَقَائِقَ وَتَبَيَّنَ الْوَاجِهَاتِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout