قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] وَقَالَ عز وجل ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إثْمًا﴾ [النساء: ١١٢] الْآيَةَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ - رحمهم الله - أَنَّ النَّوْعَ الْأَوَّلَ مِنْ الْكَسْبِ مُبَاحٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ هُوَ فَرْضٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ جُهَّالِ أَهْلِ التَّقَشُّفِ وَحَمَاقَى أَهْلِ التَّصَوُّفِ: إنَّ الْكَسْبَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِمَنْزِلَةِ تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ وَقَالُوا: إنَّ الْكَسْبَ يَنْفِي التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ يُنْقِصُ مِنْهُ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالتَّوَكُّلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] فَمَا يَتَضَمَّنُ نَفْيَ مَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ التَّوَكُّلِ يَكُونُ حَرَامًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَنْفِي التَّوَكُّلَ قَوْلُهُ - عليه السلام - «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ التَّوَكُّلِ لَرُزِقْتُمْ، كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ يَغْدُو خِمَاصًا وَيَرُوحُ بِطَانًا» وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وَفِي هَذَا حَثٌّ عَلَى تَرْكِ الِاشْتِغَالِ بِالْكَسْبِ وَبَيَانُ أَنَّ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ الْمَوْعُودِ يَأْتِيهِ لَا مَحَالَةَ.
وَقَالَ عز وجل ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] الْآيَةَ، وَالْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ، فَقَدْ أُمِرُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَتَرْكِ الِاشْتِغَالِ بِالْكَسْبِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وَفِي الِاشْتِغَالِ بِالْكَسْبِ تَرْكُ مَا خُلِقَ الْمَرْءُ لِأَجْلِهِ وَأُمِرَ بِهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَوْلِهِ «مَا أُوحِيَ إلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنْ الْمُتَاجِرِينَ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إلَيَّ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] الْآيَةَ» وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ وَالْكَسْبَ بَلْ الْمُرَادُ تِجَارَةَ الْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ عز وجل بِبَذْلِ النَّفْسِ فِي طَاعَتِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِعِبَادَتِهِ فَذَلِكَ يُسَمَّى تِجَارَةً وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الْآيَةَ، وَقَالَ عز وجل ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ هَذَا النَّوْعُ، وَهُوَ بَذْلُ النَّفْسِ لِنَيْلِ الثَّوَابِ بِالْجِهَادِ وَأَنْوَاعُ الطَّاعَةِ.
وَكَذَا قَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى آخِذَ الْمَالِ لِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فِي الدِّينِ بَائِعًا نَفْسَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وَقَالَ عز وجل ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩] وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَوْلِهِ «النَّاسُ غَادِيَانِ بَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا وَمُشْتَرٍ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا»، وَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رضي الله عنهم - لَمْ يَشْتَغِلُوا بِالْكَسْبِ فَالْقَوْلُ مَعَ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ - رضي الله عنهم - كَانُوا يَلْزَمُونَ الْمَسْجِدَ فَلَا يَشْتَغِلُونَ بِالْكَسْبِ وَمُدِحُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَعْلَى الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم - لَمْ يَشْتَغِلُوا بِالْكَسْبِ وَهُمْ الْأَئِمَّةُ السَّادَةُ وَالْقُدْوَةُ الْقَادَةُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ، وَقَالَ عز وجل ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿إلَّا أَنْ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout