أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا انْتَخَبَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ وَلِيًّا وَبَعَثَهُ إلَى خَلْقِهِ نَبِيًّا لِيَدْعُوَ الْخَلْقَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَشْيَاءِ إلَى عِبَادَتِهِ وَمَنْ اتِّبَاعِ السَّبَلِ إلَى لُزُومِ طَاعَتِهِ. حَيْثُ كَانَ الْخَلْقُ فِي جَاهِلِيَّةِ جَهَلَاءَ وَعَصَبِيَّةٍ مَضِلَّةِ عَمْيَاءَ يُهَيمُونَ فِي الْفِتَنِ حِيَارَى وَيَخُوضُونَ فِي الْأَهْوَاءِ سُكَارَى يَتَرَدَّدُونَ فِي بِحَارِ الضَّلَالَةِ وَيَجُولُونَ فِي أَوْدِيَةِ الْجَهَالَةِ شَرِيفُهُمْ مَغْرُورٌ وَوَضَيْعُهُمْ مَقْهُورً. فَبَعَثَهُ اللَّهُ إلَى خَلْقِهِ رَسُولًا وَجَعَلَهُ إلَى جَنَانِهِ دَلِيلًا.
فَبَلَغَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ رِسَالَاتُهُ وَبَيْنَ الْمُرَادِ عَنْ آيَاتِهِ وَأَمَرَ بِكَسْرِ الْأَصْنَامِ وَدَحْضَ الْأَزْلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ الْحَقَّ عَنْ مَحْضِهِ وَأَبْدَى اللَّيْلَ عَنْ صُبْحِهِ وَانْحَطَّ بِهِ أَعْلَامُ الشِّقَاقِ وَانْهَشَمَ بَيْضَةَ النَّفَاقِ.
وَإِنَّ فِي لُزُومِ سُنَّتِهِ تَمَامُ السَّلَامَةِ وَجِمَاعِ الْكَرَامَةِ لَا تَطْفَأُ سَرْجُهَا وَلَا تَدْحَضُ حَجْجُهَا مَنْ لَزِمَهَا عَصْمٌ وَمَنْ خَالَفَهَا نَدَمَ إذْ هِيَ الْحِصْنُ الْحُصَيْنُ وَالرُّكْنُ الرُّكَيْنُ الَّذِي بَانَ فَضْلُهُ وَمَتْنِ حَبْلَهُ مِنْ تَمَسَّكَ بِهِ سَادٌّ وَمَنْ رَامَ خِلَافَهُ بَادَ فَالْمُتَعَلِّقُونَ بِهِ أَهْلُ السَّعَادَةِ فِي الْآجِلِ وَالْمَغْبُوطُونَ بَيْنَ الْأَنَامِ فِي الْعَاجِلِ.
وَإِنِّي لَمَّا رَأَيْت الْأَخْبَارَ طُرُقَهَا كَثُرَتْ وَمَعْرِفَةُ النَّاسِ بِالصَّحِيحِ مِنْهَا قُلْت لِاشْتِغَالِهِمْ بِكُتْبَةِ الْمَوْضُوعَاتِ وَحِفْظِ الْخَطَأِ وَالْمَقْلُوبَاتِ حَتَّى صَارَ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ مَهْجُورًا لَا يَكْتُبُ وَالْمُنْكِرُ الْمَقْلُوبُ عَزِيزًا يَسْتَغْرِبُ وَأَنَّ مَنْ جَمْعَ السُّنَنَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينِ الْمَرْضِيِّيْنِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ فِي الدَّيْنِ أَمْعَنُوا فِي ذِكْرِ الطُّرُقِ لِلْأَخْبَارِ وَأَكْثَرُوا مِنْ تَكْرَارِ الْمُعَادِ لِلْآثَارِ قَصْدًا مِنْهُمْ لِتَحْصِيلِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَنْ رَامَ حِفْظَهَا مِنْ الْحُفَّاظِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبُ اعْتِمَادِ الْمُتَعَلِّمِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَتَرْكِ الْمُقْتَبِسِ التَّحْصِيلُ لِلْخِطَابِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout