﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ مِنَ الأَحْمَالِ الثَّقِيلَةِ، بَلْ وَتَحْمِلُكُمْ أَنْتُمْ ﴿إِِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ ولكن الله ذللها لَكُم.
فَمِنْهَا مَا تَرْكَبُونَهُ، وَمِنْهَا مَا تَحْمِلُونَ عَلَيْهِ مَا تَشَاءُونَ مِنَ الْأَثْقَالِ إِلَى الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ وَالْأَقْطَارِ الشَّاسِعَةِ، ﴿إِِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إِذْ سَخَرَ لَكُمْ مَا تَضْطِرُونَ إِلَيْهِ وَتَحْتَاجُونَهُ، فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَّاَلِ وَجْهِهِ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ وَسَعَةِ جُودِهِ وَبَرَّهَ.
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ سَخَرنَاهَا لَكُمْ ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أَيُّ: تَارَةُ تُسْتَعْمِلُونَهَا لِلضَّرُورَةِ فِي الرُّكُوبِ وَتَارَةً لِأَجْلِ الْجَمَالِ وَالزِّينَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَكْلَ لِأَنَّ الْبِغَالَ وَالْحُمُرَ مُحْرِمٌ أَكْلُهَا، وَالْخَيْلُ لَا تُسْتَعْمَلُ -فِي الْغَالِبِ- لِلْأَكْلِ، بَلْ يَنْهَى عَنْ ذَبْحِهَا لِأَجْلِ الْأَكْلِ خَوْفًا مِنْ انْقِطَاعِهَا وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ.
﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ، الَّتِي يَرْكَبُهَا الْخَلْقُ فِي الْبِرِّ وَالْبَحْرِ وَالْجَوْ، وَيَسْتَعْمِلُونَهَا فِي مَنَافِعِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا بِأَعْيَانِهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَذْكَرُ فِي كِتَابِهِ إِلَّاَّ مَا يَعْرِفُهُ الْعِبَادُ، أَوْ يَعْرِفُونَ نَظِيرَهُ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي زَمَانِهِمْ فَإِنَّهُ لَوْ ذَكَرَ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَلَمْ يُفْهَمُوا الْمُرَادَ مِنْهُ، فَيَذْكُرُ أَصْلًاً جَامِعًا يَدْخُلُ فِيهِ مَا يَعْلَمُونَ وَمَا لَاَ يَعْلَمُونَ، كَمَا ذَكَرَ نَعِيمَ الْجَنَّةِ وَسَمَّى مِنْهُ مَا نَعْلَمُ وَنُشَاهِدُ نَظِيرُهُ، كَالنَّخْلِ وَالْأَعْنَابِ وَالرُّمَّانِ، وَأَجْمَلُ مَا لَا نَعْرِفُ لَهُ نَظِيرًا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَان﴾ فَكَذَلك هُنَا ذَكَرُ مَا نَعْرِفُهُ مِنْ الْمَرَاكِبِ كَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْإِبِلِ وَالسُّفْنَ، وَأَجْمَلُ الْبَاقِي فِي قَوْلِهِ: ﴿ُوََيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وَلَمَا ذَكِرَ تَعَالَى الطَّرِيقَ الْحِسِّيِّ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ جُعَلَ لِلْعِبَادِ مَا يَقْطَعُونَهُ بِهِ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا ذِكْرُ الطَّرِيقِ الْمَعْنَوِيِّ الْمُوصِلِ إِلَيْهِ فَقَالَ:
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي: الصراط المُسْتَقِيمِ، الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ الطُّرُقِ وَأَخْصَرَهَا مُوَصِلٌ إِلَى اللَّهِ.
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الْجَائِرُ فِي عَقَائِدِهِ وَأَعْمَالِهِ وَهُوَ: كُلُّ مَا خَالَفَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمَ فَهُوَ قَاطِعٌ عَنِ اللَّهِ، مُوَصِلٌ إِلَى دَارِ الشِّقَاءِ، فَسَلَكَ الْمُهْتَدُونَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ بِإِذْنِ رَبِّهِمَ، وَضَلَّ الْغَاوُونَ عَنْهُ، وَسَلَكُوا الطُّرُقُ الْجَائِرَةَ ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وَلَكنهُ هُدِّى بَعْضًا كَرْمًا وَفَضْلًاً وَلَمْ يَهْدْ آخَرِينَ، حِكْمَةٌ مِنْهُ وَعَدْلًا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout