هذه السُّورَةُ تُسَمَّى سُورَةُ النَّعَمِ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِي ⦗٤٣٦⦘ أَولها أُصُولُ النِّعَمِ وَقَوَاعِدِهَا، وَفِي آخِرِهَا مُتَمِّمَاتُهَا وَمُكْمِلَاتِهَا، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ، لِيَسْتَدِلَّ بِهِمَا الْعِبَادُ عَلَى عَظْمَةِ خَالِقِهِمَا، وَمَا لَهُ مِنْ نُعُوتِ الْكَمَالِ وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ خَلَقَهُمَا مَسْكَنًا لِعِبَادِهِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ، بِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ فِي الشَّرَائِعِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَلِهَذَا نَزَّهُ نَفْسُهُ عَنْ شِرْكِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ فَقَالَ: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أَيِّ: تَنَزُّهُ وَتَعَاظَمُ عَنْ شِرْكِهِمْ فَإِنَّهُ الْإِلَهُ حَقًّا، الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ وَالْحَبُّ وَالذُّلُّ إِلَّاَّ لَهُ تَعَالَى، وَلَمَّا ذُكِرَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ [وَالْأَرْضِ] (١) ذَكُر خَلْقَ مَا فِيهِمَا.
وَبَدَأَ بِأَشْرَفِ ذَلِكَ وَهُوَ الْإِنْسَانُ فَقَالَ: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ لمْ يَزَلْ يُدَبِّرُهَا وَيُرْقِيهَا وَيُنَمِيهَا حَتَّى صَارَتْ بِشْرًا تَامًّا كَامِلُ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، قَدْ غَمَرَهُ بِنِعَمِهِ الْغَزِيرَةِ، حَتَّى إِذَا اسْتَتَمَّ فَخَرَ بِنَفْسِهِ وَأَعْجَبُ بِهَا ﴿فَإِِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ: فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ لِرَبِّهِ، يُكَفُرُ بِهِ، وَيُجَادِلُ رُسْلَهُ، وَيُكَذِّبُ بِآيَاتِهِ. وَنَسِيَ خَلْقَهُ الْأَوَّلِ وَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ، مِنَ النِّعَمِ فَاسْتَعَانَ بِهَا عَلَى مَعَاصِيهِ، وَيُحْتَمِلُ أَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَنْشَأَ الْآدَمِيُّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْقُلُهُ مِنْ طُورٍ، إِلَى طُورٍ حَتَّى صَارَ عَاقِلًا مُتَكَلِّمًا، ذَا ذِهْنٍ وَرَأْيَ: يُخَاصِمُ وَيُجَادِلُ، فَلْيُشْكِرْ الْعَبْدُ رَبُّهُ الَّذِي أَوْصَلَهُ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي لَيْسَ فِي إِمْكَانِهِ الْقُدْرَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا.
﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ أي: لأَجَلكُم، وَلِأَجْلِ مَنَافِعِكُمْ وَمَصَالِحِكُمْ، مِنْ جُمْلَةِ مَنَافِعِهَا الْعَظِيمَةِ أَنَّ لَكُمْ ﴿فَِيهَِا دِفِْءٌ﴾ مِمَّا تَتَّخِذُونَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا، وَأَشْعَارِهَا، وَجُلُودِهَا، مِنَ الثِّيَابِ وَالْفَرْشِ وَالْبُيُوتَ.
﴿وَ﴾ لَكُمْ فِيهَا ﴿مَنََافِِعُ﴾ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿ُوَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أَيِّ: فِي وَقْتِ رَاحَتِهَا وَسُكُونِهَا وَوَقْتِ حَرَكَتِهَا وَسَرْحِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ جَمَالَهَا لَاَ يَعُودُ إِلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَتَجَمَّلُونَ بِهَا، كَمَا تَتَجَمَّلُونَ بِثِيَابِكُمْ وَأَوْلَاَدِكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ، وَتَعْجِبُونَ بِذَلِكَ.
1 (١) زيادة يقتضيها السياق.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout