﴿َالَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أيُّ: أَصْنَافًا وَأَعْضَاءُ وَأَجْزَاءً، يَصْرِفُونَهُ بِحَسَبِ مَا يَهْوُونَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سَحَرٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَهَانَةً وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مُفْتَرَى إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِ الْكُفْرَةِ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ، الَّذِينَ جَعَلُوا قَدَّحَهُمْ فِيهِ لِيَصِدُّوا النَّاسَ عَنِ الْهُدَىِّ.
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أيِّ: جَمَيعُ مَنْ قَدَحَ فِيهِ وَعَابَهُ وَحَرْفَهُ وَبَدَلُهُ ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَفِي هَذَا أَعْظَمُ تَرْهِيبٌ وَزَجَرَ لَهُمْ عَنِ الْإِقَامَةِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ (١) .
ثم أَمَرَ اللَّهُ رَسُولهُ أَنْ لَاَ يُبَالِيَ بِهِمْ وَلَاَ بِغَيْرِهِمْ وَأَنْ يَصْدَعَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَيُعْلِنَ بِذَلِكَ لِكُلِّ أَحَدٍ وَلَاَ يَعُوقَنَهُ عَنْ أَمْرِهِ عَائِقٌ وَلَا تَصِدُّهُ أَقْوَالُ الْمُتَهُوِّكِينَ، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تُبَالُ بِهِمْ وَاتْرِكَ مُشَاتَمَتَهُمْ وَمَسَابَتُهُمْ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِكَ، ﴿إِِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بك وبِمَا جِئْتُ بِهِ وَهَذَا وَعُدُّ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، أَنْ لَاَ يَضُرَّهُ الْمُسْتَهْزِئُونَ، وَأَنْ يَكْفِيَهُ اللَّهُ إِيَّاهُمْ بِمَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُقُوبَةِ. وَقَدْ فَعَلَ تَعَالَى فَإِنَّهُ مَا تَظَاهَرُ أَحَدٌ بِالِاسْتِهْزَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ إِلَّاَّ أَهْلَكَهُ اللَّهُ وَقَتَلَهُ شَرّ قَتْلَةَ.
ثُمَّ ذَكَرَ وَصْفَهُمْ وَأَنَّهُمْ كَمَا يُؤْذُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ أَيْضًا يُؤْذُونَ اللَّهَ وَيَجْعَلُونَ مَعَهُ ﴿إِِلهًا آخَرَ﴾ وَهُوَ رَبُّهُمْ وَخَالِقَهُمْ وَمُدَبَّرُهُمْ ﴿فََسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ غَبِّ أَفْعَالُهُمْ إِذَا وَرَدُوا الْقِيَامَةَ، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ لك مِنَ التَّكْذِيبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، فَنَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى اسْتِئْصَالِهِمْ بِالْعَذَابِ، وَالتَّعْجِيلِ لَهُمْ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمْهِلُهُمْ وَلَا يَهْمِلُهُمْ.
فَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أيُّ: أَكْثَرُ مَنْ ذِكَرَ اللَّهِ وَتَسْبِيحُهُ وَتَحْمِيدُهُ وَالصَّلَاةُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوَسَّعُ الصَّدْرَ وَيَشْرَحُهُ وَيُعَيِّنُكَ عَلَى أُمُورِكَ.
1 (١) في ب: يعملون.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout