وَمِنْ الْمُحَالِ أَيْضًا أَنْ يُوجَدَ مِنْ دُونَ خَالِقٍ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ لَهَا إلَهَا خَالِقًا لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ لِأَنَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ، فَإِنَّهُ لَا تُوجَدُ الْوَحْدَةُ وَالْقَهْرَ إلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَالْمَخْلُوقَاتُ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَوْقَهُ مَخْلُوقٌ يَقْهِّرُهُ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ الْقَاهِرُ قَاهِرٌ أَعْلَى مِنْهُ، حَتَّى يَنْتَهِيَ الْقَهْرُ لِلْوَاحِدِ الْقَهَارَ، فَالْقَهْرُ وَالتَّوْحِيدُ مُتَلَازِمَانِ مُتَعَيِّنَانِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَتَبَيَّنَ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الْقَاهِرِ، أَنَّ مَا يُدْعَى مِنْ دُونِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْمَخْلُوقَاتِ وَبِذَلِكَ كَانَتْ عِبَادَتُهُ بَاطِلَةً.
⦗٤١٦⦘
شبّه تعالى الْهُدىُّ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ، بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلَهُ لِحَيَاةِ الْأَشْبَاحِ، وَشَبَّهُ مَا فِي الْهُدَى مِنْ النَّفْعِ الْعَامِّ الْكَثِيرِ الَّذِي يَضْطِرُّ إلَيْهِ الْعِبَادُ، بِمَا فِي الْمَطَرِ مِنْ النَّفْعِ الْعَامِّ الضَّرُورِيِّ، وَشِبْهِ الْقُلُوبِ الْحَامِلَةِ لِلْهُدَى وَتَفَاوُتُهَا بِالْأَوْدِيَةِ الَّتِي تَسِيلُ فِيهَا السُّيُولُ، فَوَادٌ كَبِيرٌ يَسَعُ مَاءً كَثِيرًا، كَقَلْبٍ كَبِيرٍ يَسَعُ عِلْمًا كَثِيرًا، وَوَادٍ صَغِيرٌ يَأْخُذُ مَاءً قَلِيلًا كَقَلْبٍ صَغِيرٍ، يَسَعُ عِلْمًا قَلِيلًا وَهَكَذَا.
وَشَبْهُ مَا يَكُونُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ عِنْدَ وُصُولِ الْحَقِّ إلَيْهَا، بِالزَّبْدِ الَّذِي يَعْلُو الْمَاءَ وَيَعْلُو مَا يُوقَدُ عَلَيْهِ النَّارُ مِنْ الْحِلْيَةِ الَّتِي يُرَادُ تَخْلِيصُهَا وَسَبَكَهَا، وَأَنَّهَا لَا تُزَالُ فَوْقَ الْمَاءِ طَافِيَةً مُكَدَّرَةٌ لَهُ حَتَّى تَذْهَبَ وَتَضْمَحَلَ، وَيَبْقَى مَا يَنْفَعُ النَّاسُ مِنْ الْمَاءِ الصَّافِي وَالْحِلْيَةِ الْخَالِصَةِ.
كَذَلِكَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتُ لَا يَزَالُ الْقَلْبُ يُكْرَهُهَا، وَيُجَاهِدُهَا بِالْبَرَاهِينِ الصَّادِقَةِ، وَالْإِرَادَاتِ الْجَازِمَةُ، حَتَّى تَذْهَبَ وَتَضْمَحِلَ وَيَبْقَى الْقَلْبُ خَالِصًا صَافِيًا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسُ مِنْ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ وَإِيثَارِهِ، وَالرَّغْبَةِ فِيهِ، فَالْبَاطِلُ يَذْهَبُ وَيَمْحَقُهُ الْحَقُّ ﴿إِِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ وقَال هُنا: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ﴾ لِيَتَّضِحُّ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْهُدَى وَالضَّلَاَلِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout