إلى آخر الْقِصَّةِ (١) أَيِّ: ﴿و﴾ أَرْسَلَنَا ﴿إِِلَى مَدْيَنَ﴾ الْقَبِيلةُ الْمَعْرُوفَةُ، الَّذِينَ يَسْكُنُونَ مَدِينٌ فِي أَدْنَى فَلَسْطِينَ، ﴿أََخَاهُمْ﴾ فِي النَّسَبِ ﴿شُعَيْبًا﴾ لأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُ، وَلْيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْأَخْذِ عَنْه.
فـ ﴿قَالَ﴾ لهُم ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: أَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةُ،ُّ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ، وَكَانُوا - مَعَ شِرْكِهِمْ - يَبْخُسُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، وَلِهَذَا نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ بل أَوفُوا الْكَيْلُ وَالْمِيزَانُ بِالْقِسْطِ.
﴿إِِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أيِّ: بنَعْمَةَ كَثِيرَةً، وَصِحَّةً، وَكَثْرَةُ أَمْوَالٍ وَبَنِينَ، فَاشْكَرُوا اللَّهُ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ، وَلَاَ تَكَفِّرُوا بِنِعْمَةِ اللَّهِ، فَيُزِيلُهَا عَنْكُمُ.
﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أَيُّ: عَذَابًا يُحِيطُ بِكُمٍّ، وَلَاَ يَبْقِي مِنْكُمْ بَاقِيَةً.
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالْعَدَلِ الَّذِي تَرْضُوْنَ أَنْ تُعْطُوهُ، ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ أي: لا تَنْقِصُوا مِنْ أَشْيَاءِ النَّاسِ، فَتَسْرِقُوهَا بِأَخْذِهَا، بِنَقْصِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ.
﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فَإِنَّ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى الْمَعَاصِي، يَفْسِدُ الأَدْيَانِ، وَالْعَقَائِدُ، وَالدَّينُ، وَالدُّنْيَا، وَيَهْلِكُ الْحَرْثُ وَالنَّسَلُ.
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيِّ: يَكْفِيكُمْ مَا أَبْقَى اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَا هُوَ لَكُمْ، فَلَاَ تَطْمَعُوا فِي أَمْرٍ لَكُمْ عَنْهُ غَنِيَّةً، وَهُوَ ضَارٍ لَكُمْ جِدَا.
﴿إِِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَاعْمِلُوا بِمُقْتَضَى الإِيمَانِ، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: لست بِحَافِظٍ لِأَعْمَالِكُمْ، وَوَكِيلٍ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَحْفَظُهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا أَنَا، فَأَبْلَغُكُمْ مَا أَرْسَلْتُ بِهِ.
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أَيِّ: قَالُوا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الَّتُّهَكُّمِ بِنَبِيِّهِمَ، وَالِاسْتِبْعَادِ لِإِجَابَتِهِمْ لَهُ.
وَمَعْنَى كَلَاَمِهِمْ: أَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِنَهْيِكَ لَنَا، إِلَّاَّ أَنَّك تُصَلِّي لِلَّهِ، وَتَتَعَبَّدُ لَهُ، أَفْإِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ، أُفَيُوجِبُ لَنَا أَنْ نَتْرِكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، لِقَوْلِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ إِلَّاَّ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَكَ، فَكَيْفَ نَتْبِعُك، وَنَتْرُكُ آبَاءَنَا الْأَقْدَمِينَ أُولِي الْعُقُولِ وَالْأَلْبَابِ؟!
وَكَذَلِكَ لَاَ يُوجِبُ قَوْلُكَ لَنَا: ﴿أََنْ نََفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا﴾ ما قُلتُ لنَا، مَنْ وَفَاءِ الْكَيْلِ، وَالْمِيزَانِ، وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ فِيهَا، بَلْ لَاَ نِزَالُ نَفْعَلُ فِيهَا مَا شِئْنَا، لِأَنَّهَا أَمْوَالُنَا، فَلَيْسَ لَكَ فِيهَا تَصَرُّفٌ.
وَلِهَذَا قَالُوا فِي تَهْكُّمِهِمْ: ﴿إِِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ أيِّ: أَئِنَّكَ أَنْتَ الَّذِي، الْحَلْمُ وَالْوَقَارُ، لَكَ خَلْقَ، وَالرُّشْدُ لَكَ سَجْيَّةً، فَلَاَ يَصْدُرُ عَنْكَ إِلَّاَّ رُشْدٌ، وَلَاَ تَأْمُرْ إِلَّاَّ بِرُشْدٍ، وَلَاَ تَنْهَى إِلَّا عَنْ غِيٍّ، أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَقَصَدَهُمْ أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِعَكْسِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ: بِالسَّفَهِ وَالْغِوَايَةِ، أَيْ: أَنَّ الْمَعْنَى: كَيْفَ تَكُونُ أَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدَ، وَآبَاؤُنَا هُمُ السُّفَهَاءُ الْغَاوُونَ؟!!
وهذا القول الَّذِي أَخْرَجُوهُ بِصِيغَةِ التّهَكُّمِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِعَكْسِهِ، لَيْسَ كَمَا ظَنُّوهُ، بَلْ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوهُ. إِنَّ صَلَاَتَهُ تَأْمُرُهُ أَنْ يَنْهَاهُمَ، عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ الضَّالُونَ، وَأَنْ يَفْعَلُوا فِي أَمْوَالِهِمْ مَا يُشَاءُونَ، فَإِنَّ الصَّلَاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفُحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَأَيِّ فَحِشَاءَ وَمُنْكِرٌ، أَكْبَرُ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَمَنْ مَنَعَ حُقُوقُ عِبَادِ اللَّهِ، أَوْ سَرِقْتُهَا بِالْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينَ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ.
﴿قَالَ﴾ لهم شعيب: ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أَيِّ: يَقِينُ وَطُمَأْنِينَةُ، فِي صِحَّةِ مَا جِئْتُ بِهِ، ﴿ُوَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أيُّ: أَعْطَانِي اللَّهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا أَعْطَانِي.
﴿وَ﴾ أَنَا لاَ ﴿أَُرِِيَدُ أََنْ أَُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ فَلستُ أُرِيدُ أَنَّ أَنْهَاكُمْ عَنِ الْبَخْسِ، فِي الْمِكْيَالِ، وَالْمِيزَانِ، وَأَفْعَلُهُ أَنَا، وَحَتَّى تَتَطَرَّقَ إِلَيَّ التُّهْمَةُ فِي ذَلِكَ. بَلْ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ إِلَّاَّ وَأَنَا أَوَّلُ مُبْتَدِرٌ لِتَرْكِهِ.
﴿إِِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: لَيْسَ لِي مِنَ الْمَقَاصِدِ إِلَّاَّ أَنْ تَصْلُحَ أَحْوَالُكُمْ، وَتَسْتَقِيمُ مَنَافِعُكُمْ، وَلَيْسَ لِي مِنْ الْمَقَاصِدِ الْخَاصَّةِ لِي وَحْدِي، شَيْءٌ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِي.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا فِيهِ نَوْعُ تَزْكِيَةٍ لِلنَّفْسِ، دَفْعُ هَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿َوَمَا تَوْفِيُقِي إِِلا بِاللَّهِ﴾ أيِّ: وَمَا يَحْصُلُ لِي مِنْ التَّوْفِيقِ لِفِعْلِ الْخَيْرِ، وَالِانْفِكَاكِ عَنِ الشَّرِّ إِلَّاَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى، لَاَ بِحَوْلِيٍّ وَلَاَ بِقُوتِي.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعْتَمَدْتُ فِي أُمُورِي، وَوَثَقَتْ فِي كِفَايَتِهِ، ﴿وَإِِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ فِي أَدَاءِ مَا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَفِي [هَذَا] التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِسَائِرِ أَفْعَالِ الْخَيْرَاتِ.
وَبِهَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ تَسْتَقِيمُ أَحْوَالِ الْعَبْدِ، وَهُمَا الِاسْتِعَانَةُ بِرَبِّهِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فََاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
1 (١) في ب: أكمل الآيات إلى قوله تعالى: " ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout