إلى آخر قِصَّتِهِمْ (١)، أي: ﴿و﴾ أَرْسَلَنَا ﴿إِِلَى ثَمُودَ﴾ وهم: عَادَ الثَّانِيَةُ، الْمَعْرُوفُونَ، الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْحَجْرَ، وَوَادِيَ الْقُرَى، ﴿أََخَاهُمْ﴾ فِي النَّسَبِ ﴿صَالِحًا﴾ عَبْد اللَّه وَرَسُولهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فـ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِّ: وَحَدُّوهُ، وَأَخْلَصُوا لَهُ الدَّيْنُ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَلاَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ.
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ أَيِّ: خَلْقَكُمْ فِيهَا ﴿وَاسِْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أَي: اسْتَخْلَفْكُمْ فِيهَا، وَأَنْعَمْ عَلَيْكُمْ بِالنِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمُكَّنَكُمْ فِي الأَرْضِ، تَبْنُونَ، وَتَغْرِسُونَ، وَتَزْرَعُونَ، وَتَحْرِثُونَ مَا شِئْتُمْ، وَتَنْتَفِعُونَ بِمَنَافِعِهَا، وَتَسْتَغِلُّونَ مَصَالِحَهَا، فَكَمَا أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلَا تُشْرِكُوا بِهِ فِي عِبَادَتِهِ.
﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ مِمَّا صَدَرُ مِنْكُمْ، مِنَ الْكُفْرِ، وَالشِّرْكِ، وَالْمَعَاصِي، وَأَقْلَعُوا عَنْهَا، ﴿ثُمَّ تُوَبُوا إِِلَيْهِ﴾ أي: ارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ النُّصُوحِ، وَالْإِنَابَةُ، ﴿إِِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيُّ: قَرِيبٌ مِمَّنْ دَعَاهُ دُعَاءً مَسْأَلَةً، أَوْ دُعَاءً عِبَادَةً، يُجِيبُهُ بِإِعْطَائِهِ سُؤْلَهُ، وَقَبُولُ عِبَادَتِهِ، وَإِثَابَتِهِ عَلَيْهَا، أَجَلُ الثَّوَابِ، وَاعْلَمْ أَنَّ قُرْبَهُ تَعَالَى نَوْعَانِ: عَامٍّ، وَخَاصٍّ، فَالْقُرْبُ الْعَامِّ: قُرْبَهُ بِعِلْمِهِ، مِنْ جَمِيعِ الْخُلْقِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ⦗٣٨٥⦘ والْقُرب الخاص: قَرَّبَهُ مَنْ عَابِدِيْهِ، وَسَائِلَيْهِ، وَمُحَبِّيهِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وََاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ وهذا النَّوع، قَرِّبَ يَقْتَضِي إِلْطَافَهُ تَعَالَى، وَإِجَابَتُهُ لِدَعَوَاتِهِمْ، وَتَحْقِيقِهِ لِمُرَادَاتِهِمَ، وَلِهَذَا يُقَرْنَ، بِاسْمِهِ "الْقَرِيبِ" اسْمُهُ "الْمُجِيبُ"
فَلَمَّا أَمَرَهُمْ نَبِيُّهُمْ صَالِحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَغَبَهُمْ فِي الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، رُدُّوا عَلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَقَابِلُوهُ أَشْنَعُ الْمُقَابَلَةَ.
﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قَدْ كُنَّا نَرْجُوكَ وَنُؤْمِلُ فِيكَ الْعَقْلُ وَالنَّفْعَ، وَهَذَا شَهَادَةٌ مِنْهُمْ، لِنَبِيِّهِمْ صَالِحً، أَنَّهُ مَا زَالَ مَعْرُوفًا بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشَّيْمِ، وَأَنَّهُ مِنْ خِيَارِ قَوْمِهِ.
وَلَكِنَّهُ، لَمَّا جَاءَهُمْ بِهَذَا الْأَمْرِ، الَّذِي لَاَ يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ الْفَاسِدَةَ، قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، الَّتِي مَضْمُونَهَا، أَنَّكَ [قد] كُنْتُ كَامِلًا وَالْآنَ أَخْلَفْتُ ظَنَنَا فِيكَ، وَصَرْتْ بِحَالَةٍ لَاَ يُرْجَى مِنْكَ خَيْرٌ.
وَذَنْبَهُ، مَا قَالُوهُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: ﴿أََتَِنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وبَزَعْمِهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْقَدْحِ فِي صَالِحٍ، كَيْفَ قَدَحَ فِي عُقُولِهِمْ، وَعُقُولِ آبَائِهِمْ الضَّالِّينَ، وَكَيْفَ يَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةَ، مَنْ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَلَا يُغْنِي شَيْئًا مِنَ الْأَحْجَارِ، وَالْأَشْجَارِ وَنَحْوِهَا.
وَأَمَرِهُمْ بِإِخْلَاصِ الدَّيْنِ لِلَّهِ رَبُّهُمْ، الَّذِي لَمْ تَزُلْ نَعَمُهُ عَلَيْهِمْ تَتَرَى، وَإِحْسَانُهُ عَلَيْهِمْ دَائِمًا يَنْزِلُ، الَّذِي مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ، إِلَّاَّ مِنْهُ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمُ السَّيِّئَاتُ إِلَّاَّ هُوَ.
﴿وَإِِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أَيُّ: مَا زَلْنَا شَاكِيْنُ فِيمَا دَعَوْتُنَا إِلَيْهِ، شَكًّا مُؤَثِّرًا فِي قُلُوبِنَا الرِّيبَ، وَبِزَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا صِحَّةَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، لَاتَّبَعُوهِ، وَهُمْ كَذِبَةٌ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا بَيْنَ كَذِبِهِمْ فِي قَوْلِهِ:
1 (١) في ب: ذكر الآيات كاملة إلى قوله تعالى: " ألا بعدا لثمود ".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout