إلى آخر الْقِصَّةِ (١) أَيِّ: وَلَقَدْ أَرْسَلَنَا رَسُولَنَا نُوحًا أَوَّلَ الْمُرْسَلِينَ إِلَى قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الشِّرْكِ فَقَالَ لَهُمْ: ﴿إِِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أَيِّ: بَيِّنَتُ لَكُمْ مَا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ، بَيَانًا زَالَ بِهِ الإِشْكَالُ.
﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِِلا اللَّهَ﴾ أيِّ: أَخْلِصُوا الْعِبَادَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَاتْرُكُوا كُلُّ مَا يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. ﴿إِِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ إِنَّ لَمْ تَقُومُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَتُطِيعُونِي.
﴿٢٧﴾ ﴿فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الأَشْرَافُ وَالرُّؤْسَاءُ، رَادَيْنُ لِدَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَاَمُ، كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ لِأَمْثَالِهِمْ، أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ رَدِّ دَعْوَةَ الْمُرْسَلِينَ.
﴿مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ وَهَذَا مَانِعٌ بِزَعْمِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِهِ، مَعَ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هُوَ الصَّوَابُ، الَّذِي لَا يَنْبَغِي غَيْرُهُ، لِأَنَّ الْبَشَرَ يَتَمَكَّنُ الْبَشَرُ، أَنْ يَتَلِقُوا عَنْهُ، وَيُرَاجِعُوهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ، بِخِلَاَفِ الْمَلَاَئِكَةِ.
﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أيِّ: مَا نَرِى اتَّبَعَكَ مِنَّا إِلاَّ الْأَرَاذِلُ وَالسُّفْلَةَ، بِزَعْمِهِمْ.
وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ الأَشْرَافِ، وَأَهْلِ الْعُقُولِ، الَّذِينَ انْقَادُوا لِلْحَقِّ وَلَمْ يَكُونُوا كَالْأَرَاذِلِ، الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ الْمَلَأُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا كُلَّ شَيْطَانٍ مُرِيدٌ، وَاتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهَا وَيَسْجُدُونَ لَهَا، فَهَلْ تَرَى أَرْذَلَ مِنْ هَؤُلَاَءِ وَأَخَسِ؟.
وقَوْلهم: ﴿بََادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: إِنَّمَا اتْبَعُوكَ مِنْ غَيْرِ تَفَكُّرٍ وَرُوِيَّةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ مَا دَعَوْتُهُمْ اتَّبَعُوكَ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ، أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْحَقَّ الْمُبَيَّنَ تَدْعُو إِلَيْهِ بِدَاهَةِ الْعُقُولِ، وَبِمُجَرَّدِ مَا يَصِلُ إِلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، يَعْرِفُونَهُ وَيَتَحَقَّقُونَهُ، لَا كَالْأُمُورِ الْخَفْيَّةَ، الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ، وَفِكَّرَ طَوِيل.
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: لسْتُم أَفْضَلُ مِنَّا فَنَنْقَادُ لَكُم، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ وكَذَّبُوا فِي قَوْلِهِمْ هَذَا، فَإِنَّهُمْ رَأَوْا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مُؤَيَّدَةً لِنُوحِ، مَا يُوجِبُ لَهُمْ الْجَزْمُ التَّامُّ عَلَى صِدْقِهِ.
وَلِهَذَا ﴿قََالَ﴾ لَهُمْ نُوحٌ مُجَاوِبًا ﴿ِيَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أيِّ: عَلى يَقِينِ وَجَزَمَ، يَعْنِي، وَهُوَ الرَّسُولُ الْكَامِلُ الْقُدْوَةُ، الَّذِي يَنْقَادُ لَهُ أُوَّلُو الْأَلْبَابِ، وَيَضْمَحِلُ فِي جُنْبِ عَقْلِهِ، عُقُولُ الْفُحُولِ مِنَ الرِّجَالِ، وَهُوَ الصَّادِقُ حَقًّا، فَإِذَا قَالَ: إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِي، فَحَسَبَكَ بِهَذَا الْقَوْلِ، شَهَادَةٌ لَهُ وَتَصْدِيقًا.
﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ أيِّ: أَوحَى إِلَيَّ وَأَرْسَلَنِي، وَمَنََّ عَلِيَّ بِالْهِدَايَةِ، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: خَفِيْتُ عَلَيْكُمْ، وَبِهَا تَثَاقَلْتُم.
﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي: أُنْكَرُهُكُمْ عَلَى مَا تَحَقَّقْنَاهُ، وَشَكَّكْتُمْ أَنْتُمْ فِيهِ؟ ﴿وَأََنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ حتى حَرَصْتُمْ عَلَى رَدِّ مَا جِئْتُ بِهِ، لَيْسَ ذَلِكَ ضَارِنًا، وَلَيْسَ بِقَادِحٍ مَنْ يَقِينُنَا فِيهِ، وَلَاَ قَوْلَكُمْ ⦗٣٨١⦘ وَافْتِرَاؤُكُمْ عَلَيْنَا، صَادًّا لَنَا عَمَّا كُنَّا عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ صَادًّا لَكُمْ أَنْتُمْ، وَمُوجِبًا لِعَدَمِ انْقِيَادِكُمْ لِلْحَقِّ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، فَإِذَا وَصَلَتْ الْحَالُ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، فَلَا نُقْدِرُ عَلَى إِكْرَاهِكُمَ، عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ، وَلَاَ إِلْزَامُكُمْ، مَا نَفَرْتُمْ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أََنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ .
1 (١) في ب: أكمل الآيات إلى قوله تعالى: " فاصبر إن العاقبة للمتقين ".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout