وهَذا الْحُكْمُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً، لِأَنَّ الصَّابِئِينَ، الصَّحِيحَ أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ فَرَّقَ النَّصَارَىِّ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ، وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَالصَّابِئِينَ مِنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُمْ، فَإِنَّ لَهُمْ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ وَالْأَمْنَ، وَلَاَ خَوْفَ عَلَيْهِمْ وَلَاَ هُمْ يَحْزِنُونَ، وَأَمَّا مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ، فَهُوَ بِضِدِّ هَذِهِ الْحَالِ، فَعَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالْحَزْنَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ بَيْنَ هَذِهِ الطَّوَائِفِ، مِنْ حَيْثُ هُمْ، لَاَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْهُمْ قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ هَذَا مَضْمُونَ أَحْوَالَهُمْ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ إِذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّفُوسِ عِنْدَ سِيَاقِ الْآيَاتِ بَعْضُ الْأَوْهَامِ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَجِدَ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ الْوَهْمَ، لِأَنَّهُ تَنْزِيلُ مََنْ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُجُودِهَا، وَمََنْ رَحْمَتَهُ وَسِعَتُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَذَمِّهِمْ، وَذَكَرَ مَعَاصِيهِمْ وَقَبَائِحِهِمْ، رُبَّمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّفُوسِ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ يَشْمَلُهُمْ الذِّمُّ، فَأَرَادَ الْبَارِي تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ مَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ الذَّمُّ مِنْهُمْ بِوَصْفِهِ، وَلَمَّا كَانَ أَيْضًا ذِكَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً يُوهِمُ الِاخْتِصَاصَ بِهِمْ. ذَكَرَ تَعَالَى حُكْمًا عَامًّا يَشْمَلُ الطَّوَائِفَ كُلَّهَا، لِيَتَّضِحَّ الْحَقَّ، وَيَزُولُ التَّوَهُّمُ وَالْإِشْكَالَ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَوْدَعَ فِي كِتَابِهِ مَا يَبْهَرُ عُقُولُ الْعَالَمِينَ.
ثم عَادَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُوبِخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا فَعَلَ سَلَفَهُمْ:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout