أي: لما أَهْبَطُ اللَّهُ آدَمُ وَزَوْجَتُهُ وَذُرِّيَّتُهُمَا إِلَى الأَرْضِ، أَخْبَرَهُمَا بِحَالِ إِقَامَتِهِمْ فِيهَا، وَأَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ فِيهَا حَيَاةٌ يَتْلَوَهَا الْمَوْتَ، مَشْحُونَةً بِالِامْتِحَانِ وَالِابْتِلَاءِ، وَأَنَّهُمْ لَاَ يُزَالُونَ فِيهَا، يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ كُتُبَهَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ الْمَوْتَ، فَيَدْفَنُونَ فِيهَا، ثُمَّ إِذَا اسْتَكْمَلُوا بَعَثَهُمُ اللَّهُ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي هِيَ الدَّارُ حَقِيقَةً، الَّتِي هِيَ دَارُ الْمُقَامَةِ.
ثُمَّ امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يُسِرُّ لَهُمْ مِنَ اللِّبَاسِ الضَّرُورِيِّ، وَاللِّبَاسِ الَّذِي ⦗٢٨٦⦘ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْجِمَالُ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَشْيَاءِ، كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَرَاكِبِ، وَالْمَنَاكِحِ وَنَحْوِهَا، قَدْ يُسِرُ اللَّهُ لِلْعِبَادِ ضَرُورِيْهَا، وَمُكَمَّلُ ذَلِكَ، وَ[بَيْنَ لَهُمْ] (١) أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ لِيَكُونَ مَعُونَةً لَهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ مِن اللُّبَّاسِ الْحُسِّيِّ، فَإِنَّ لِبَاسَ التَّقْوَى يَسْتَمِرُّ مَعَ الْعَبْدِ، وَلَا يَبْلَى وَلَا يُبِيدُ، وَهُوَ جَمَالُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ.
وَأَمَّا اللِّبَاسُ الظَّاهِرِيُّ، فَغَايَتُهُ أَنْ يَسْتُرَ الْعَوْرَةَ الظَّاهِرَةَ، فِي وَقْتٍ مِنْ الأَوْقَاتِ، أَوْ يَكُونُ جَمَالًا لِلْإِنْسَانِ، وَلَيْسَ وَرَاءُ ذَلِكَ مِنْهُ نَفْعً.
وَأَيْضًا، فَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ هَذَا اللِّبَاسِ، تَنْكَشِفُ عَوْرَتَهُ الظَّاهِرَةَ، الَّتِي لَا يَضُرُّهُ كَشْفُهَا، مَعَ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا بِتَقْدِيرِ عَدَمِ لِبَاسِ التَّقْوَى، فَإِنَّهَا تَنْكَشِفُ عَوْرَتَهُ الْبَاطِنَةَ، وَيُنَالُ الْخَزِّيَّ وَالْفَضِيحَةَ.
وَقَوْله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: ذلك الْمَذْكُورُ لَكُمْ مِنَ اللِّبَاسِ، مِمَّا تَذَكَّرُونَ بِهِ مَا يَنْفَعُكُمْ وَيَضُرُّكُمْ وَتَشْبِهُونَ (٢) بِاللِّبَاسِ الظَّاهِر عَلَى الْبَاطِنِ.
1 (١) زيادة من هامش ب. (٢) هكذا في أ، وفي ب: وتستعينون.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout