﴿قُلْ﴾ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِقَوْمِكَ إِذَا دَعَوْتُهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَبَيِّنَتْ لَهُمْ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حُقُوقِهِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ الِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَاسْتَمِرُّوا عَلَى شِرْكِهِمْ: ﴿َيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: عَلِى حَالَتِكُمِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا، وَرَضِيْتُمُوهَا لِأَنْفُسِكُمَ. ﴿إِِنِّي عَامِلٌ﴾ على أَمْرِ اللَّه، وَمُتْبَعٍ لِمَرَاضِي اللَّهِ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أنا أَو أَنْتُمْ، وَهَذَا مِنْ الْإِنْصَافِ بِمَوْضِعٍ عَظِيمٍ، حَيْثُ بَيََّن الأَعْمَالِ وَعَامِلِيْهَا، وَجَعَلَ الْجَزَاءَ مَقْرُونًا بِنَظَرِ الْبَصِيرِ، ضَارِبًا فِيهِ صَفْحًا عَنِ التَّصْرِيحِ الَّذِي يُغْنِي عَنْهُ التَّلْوِيحُ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ عَقْبَى الدَّارِ، وَأَنَّ كُلَّ مُعْرِضٍ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، عَاقِبَتُهُ سُوءٌ وَشَرٍّ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ فَكل ظالم، وَإِنْ تَمَتَّعَ فِي الدُّنْيَا بِمَا تَمَتَّعُ بِهِ، فَنِهَايَتُهُ [فِيهِ] الِاضْمِحْلَالُ وَالتَّلَفُ "إِنَّ اللَّهَ لَيَمْلِيَ لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفَلَّتْهُ" ⦗٢٧٥⦘
يُخْبَرُ تَعَالَى، عمَّا عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ الْمُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، مِنْ سَفَاهَةِ الْعَقْلِ، وَخِفَّةِ الْأَحْلامِ، وَالْجَهْلِ الْبَلِيغُ، وَعَدََّد تَبَارَكَ وَتَعَالَى شَيْئًا مِنْ خِرَافَاتِهِمْ، لِيُنَبِّهُ بِذَلِكَ عَلَى ضَلَاَلِهِمْ وَالْحَذَرِ مِنْهُمْ، وَأَنَّ مُعَارَضَةَ أَمْثَالِ هَؤُلاءَالسُّفَهَاءِ لِلْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، لَاَ تُقْدَحُ فِيهِ أَصْلًاً فَإِنَّهُمْ لَاَ أَهْلِيَّةَ لَهُمْ فِي مُقَابَلَةِ الْحَقِّ، فَذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ ﴿َجَعَلُوا لِِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا﴾ ولشُرَكَائِهِمْ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبًا، وَالْحَالُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي ذَرَأَهُ لِلْعِبَادِ، وَأَوْجَدَهُ رِزْقًا، فَجَمَعُوا بَيْنَ مَحْذُورَيْنِ مَحْظُورِينَ، بَلْ ثَلَاَثَةُ مُحَاذِيرَ، مَنََّتُهُمْ عَلَى اللَّهِ، فِي جَعْلِهِمْ لَهُ نَصِيبًا، مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ تَبَرُّعٌ، وَإِشْرَاكُ الشُّرَكَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَرْزِقُوهُمْ، وَلَمْ يُوجَدُوا لَهُمْ شَيْئًا فِي ذَلِكَ، وَحُكْمُهُمْ الْجَائِرُ فِي أَنَّ مَا كَانَ لِلَّهِ لَمْ يُبَالُوا بِهِ، وَلَمْ يَهْتِمُوا، وَلَوْ كَانَ وَاصِلًا إِلَى الشُّرَكَاءِ، وَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ اعْتَنُوا بِهِ وَاحْتَفَظُوا بِهِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا حَصَلَ لَهُمْ -مِنْ زُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ وَأَنْعَامِهُمْ، الَّتِي أَوْجَدَهَا اللَّهُ لَهُمْ- شَيْءً، جَعَلُوهُ قِسْمَيْنِ:
قِسْمًا قَالُوا: هَذَا لِلَّهِ بِقَوْلِهِمْ وَزَعَمَهُمْ، وَإِلَّا فَاَللَّهِ لَا يُقْبَلُ إِلَّاَّ مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ مََنَ أَشْرَكَ بِهِ.
وقِسْمًا جَعَلُوهُ حِصَّةَ شُرَكَائِهِمْ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالأَنْدَادِ.
فَإِنَّ وَصَلَ شَيْءٌ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وَاخْتَلَطَ بِمَا جَعَلُوهُ لِغَيْرِهِ، لَمْ يُبَالُوا بِذَلِكَ، وَقَالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، فَلَا يَرِدُّونَهُ، وَإِنْ وَصَلَ شَيْءٌ مِمَّا جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ إِلَى مَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ، رَدُّوهُ إِلَى مَحَلِّهِ، وَقَالُوا: إِنَّهَا فَقِيرَةٌ، لاَ بُدَّ مِنْ رَدِّ نَصِيبِهَا.
فَهَلْ أَسْوَأُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ. وَأَظْلَمُ؟ " حَيْثُ جَعَلُوا مَا لِلْمَخْلُوقِ، يَجْتَهِدُ فِيهِ وَيُنْصِحُ وَيَحْفَظُ، أَكْثَرُ مِمَّا يَفْعَلُ بِحَقِّ اللَّهِ.
وَيَحْتَمَلُ أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةَ، مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: "أَنَا أَغْنِى الشُّرَكَاءُ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ أَشْرَكَ مَعِي شَيْئًا تَرِكْتُهُ وَشَرْكَهُ".
وَأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ مَا جَعَلُوهُ وَتَقَرَّبُوا بِهِ لِأَوْثَانِهِمْ، فَهُوَ تَقَرُّبُ خَالِصٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَيْسَ لِلَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ -عَلَى زَعْمِهِمْ- فَإِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ شَرْكًًا، بَلْ يَكُونُ حَظُّ الشُّرَكَاءِ وَالأَنْدَادِ، لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ، لَاَ يَقْبَلُ الْعَمَلُ الَّذِي أَُشَرَِكَ بِهِ مَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الْخُلْقِ.
وَمِنْ سَفَهُ الْمُشْرِكِينَ وَضَلاَلَهُمْ، أَنَّهُ زِيَّن لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شُرَكَاؤُهُمْ -أَيْ: رُؤُسَاؤُهُمْ وَشَيَاطِينَهُمْ- قَتَلَ أَوْلَاَدَهُمْ، وَهُوَ: الْوَأْدُ، الَّذِينَ يُدْفِنُونَ أَوْلَادَهُمْ الذُّكُورَ خَشْيَةَ الِافْتِقَارِ، وَالْإِنَاثِ خَشْيَةَ الْعَارِ.
وَكُلّ هَذَا مِنْ خَدَعِ الشَّيَاطِينَ، الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَُرْدُوهَم بِالْهَلاَكِ، وَيَلْبَسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، فَيَفْعَلُونَ الْأَفْعَالَ الَّتِي فِي غَايَةِ الْقُبْحِ، وَلَاَ يَزَالُ شُرَكَاؤُهُمْ يُزِينُونَهَا لَهُمْ، حَتَّى تَكُونَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْخِصَالِ الْمُسْتَحْسِنَةِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ وَيَحَولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَيَمْنَعُ أَوْلَادَهُمْ عَنْ قَتْلِ الْأَبَوَيْنِ لَهُمْ، مَا فَعَلُوهُ، وَلَكِنْ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَفْعَالِهِمْ، اسْتِدْرَاجًا مِنْهُ لَهُمْ، وَإِمْهَالًا لَهُمْ، وَعَدَمُ مُبَالَاةٍ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أَيِّ: دَعْهُمْ مَعَ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ، وَلَاَ تُحْزَنُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَنَيْضُرُوا اللَّهَ شَيْئًا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout