يخْبَرُ تَعَالَى: أَنَّهُ مَعَ إِحْسَانِهِ لِعِبَادِهِ وَتَعَرِفُهُ إِلَيْهِمْ، بِآيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ، وَحَجَجَهُ الْوَاضِحَاتُ -أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بِهِ، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاءً، يَدْعُونَهُمْ، وَيَعْبُدُونَهُمْ، مِنَ الْجِنِّ وَالْمَلاَئِكَةِ، الَّذِينَ هُمْ خَلْقٌ مَنْ خَلَقِ اللَّهِ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوَهِيَّةِ شَيْءٌ، فَجَعَلُوهَا شُرَكَاءَ لِمَنْ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرَ، وَهُوَ الْمُنْعِمُ بِسَائِرِ أَصْنَافِ النَّعَمِ، الدَّافِعِ لِجَمِيعِ النَّقْمِ، وَكَذَلِكَ "خَرُقَ الْمُشْرِكُونَ" أَيْ: ائْتَفَكُوا، وَافْتَرُوا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ لِلَّهِ، بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ، وَمَنْ أَظْلَمَ مِمَّنْ قَالَ عَلَى اللَّهِ بِلَاَ عِلْمٍ، وَافْتَرَى عَلَيْهِ أَشْنَعُ النَّقْصَ، الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهُ عَنْهُ؟!!.
ولهَذَا نزه نَفْسَهُ عَمَّا افْتَرَاهُ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ فإِنَّهُ تَعَالَى، الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمَالَ، الْمَنْزِهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَآفَةٍ وَعَيْب.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أيُّ: خَالِقهُمَا، وَمُتَقِنٌ صَنْعَتُهُمَا، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، بِأَحْسَنِ خُلْقٍ، وَنِظَامٍ وَبَهَاءً، لَا تَقْتَرَحُ عُقُولُ أُولِي الْأَلْبَابِ مِثْلُهُ، وَلْيُسَلَّهُ فِي خَلْقِهِمَا مُشَارِكً.
﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ أَيِّ: كَيْفُ يَكُونُ لِلَّهِ الْوَلَدُ، وَهُوَ الْإِلَهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَا صَاحِبَةَ لَهُ أَيْ: لَا زَوْجَةَ لَهُ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَكُلُّهَا فَقِيرَةٌ إِلَيْهِ، مُضْطَرَّةٌ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا إِلَيْهِ، وَالْوَلَدُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَالِدِهِ؛ِ وَاَللَّهُ خَالِقٌ كُلُّ شَيْءٍ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مُشَابَهَا لِلَّهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
وَلَمَّا ذُكِرَ عُمُومُ خَلْقِهِ لِلْأَشْيَاءِ، ذِكَرَ إحَاطَةِ عِلْمِهِ بِهَا فَقَالَ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وَفِي ذِكْرِ الْعِلْمِ بَعْدَ الْخُلْقِ، إِشَارَةً إِلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ إِلَى ⦗٢٦٨⦘ ثبُوتُ علمِه، وَهُوَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ النَّظَامِ التَّامِّ، وَالْخَلْقُ الْبَاهِرُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى سَعَةِ عِلْمِ الْخَالِقِ، وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أََلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ﴾ ذلكم الَّذِي خَلْقَ مَا خَلَقَ، وَقَدْرَ مَا قَدَّرَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout