الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينَهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورٍ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهُ اللَّهُ فَلَا مَضِلَ لَهُ، وَمَنْ يُضَلِّلُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدَ:
فَإِنَّ إنْزَالَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ مِنَّةٌ عُظْمَى؛ لِأَنَّهُ سَبِيلُ الْهِدَايَةِ، وَطَرِيقُ السَّلَامَةِ مِنْ الضَّلَالِ وَالْغِوَايَةِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
ولَكِن الاسْتِفَادَةُ الْحِقَّةُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْكَرِيمِ تَكُونُ بِدَوَامِ الصِّلَةِ بِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا، وَفَهْمَا: ﴿كِتَابٌ أََنزِلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ وَمَنْ سَبَلَ ذَلِكَ التَّدَبُّرُ، وَالْفَهْمَ: النَّظَرُ فِيمَا كَتَبَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّ مِنْ كَمَالِ حِفْظِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذَا الذَّكَرِ الْحَكِيمِ أَنْ قَيْضَ لَهُ جَهَابِذَةٌ فَهِمُوا مُرَادُ اللَّهِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْفُوا فِي ذَلِكَ كُتُبًا بَسُطُوا فِيهَا أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ، وَأَبَانُوا مَا يُعْسِرُ فَهْمَهُ، وَفَصَلُوا مَا جَاءَ فِيهِ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَالْكُلِّيَّاتِ، وَدَفَعُوا التَّعَارُضَاتِ الْمُتَوَهِّمَةِ، وَبَيَّنُوا مَرَاجِعَ الضَّمَائِرِ، وَعَيَّنُوا الْمَعَانِي الْمُرَادَةَ إِذَا احْتَمَلَ الْكَلَامُ أَوْجُهَا مُتَعَدِّدَةً وَكَانُوا طَرَائِقَ قَدْدًا فِي عِنَايَتِهِمْ بِهَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ حَتَّى جَاءَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَجَعَلَ جَلَّ عِنَايَتَهُ بِالْمَعَانِي الَّتِي هِيَ الْمُرَادُ الْأَعْظَمُ، فَكَانَ كِتَابُهُ فَتْحًا فِي هَذَا الْعِلْمِ؛ إذْ أَوْقَفَ الْقَارِئُ عَلَى الْمُرَادِ، وَأَعَانَهُ عَلَى تَدَبُّرِ التَّنْزِيلِ، دُونَ أَنْ يَقِفَ بِهِ عَلَى الْمُشْغَلَاتِ الصَّارِفَاتِ عَنْ ذَلِكَ كَالْبُحُوثِ اللُّغَوِيَّةِ الصَّرْفَةُ، وَالْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَنَحْوِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَنْ قُصُورٍ إذْ لَا يَبْلُغُ هَذَا الْمَبْلَغَ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْهِيلِ الْمَعَانِي، وَبَيَانِ الْمُرَادِ إلَّا مِنْ مِلَكٍ مِنْ عُلُومِ الْآلَةِ، وَسَعَةُ الِاطِّلَاعِ عَلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ مَا يُؤْهِّلُهُ لِلْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ الْعَظِيمَةِ.
وَلَقَدْ مِنَ اللَّهِ عَلَيَّ بِالْعِنَايَةِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَمَحَبَّةِ صَاحِبِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقِرَاءَةُ التَّفْسِيرِ وَإِقْرَائِهِ، وَالنَّصْحُ بِقِرَاءَتِهِ، وَمِنْ اللَّهِ عَلَيَّ بِالْعِنَايَةِ بِطَبْعِهِ فِي مَجْلِدٍ وَاحِدٍ يَهْدِمُ الْحَوَاجِزُ النَّفْسِيَّةَ الصَّادَةَ عَنْ قِرَاءَتِهِ فِي مُجْلَّدَاتِهِ السَّبْعَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي أَشْهُرِ طَبَعَاتِهِ السَّابِقَةِ، وَكَانَ الْهَمُّ مُنْصَرِفًا إلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ الذِّهْنُ مُلْتَفَتًا إِلَى طَبَعَاتِ الْكِتَابِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَخْطَاءٍ حَتَّى هَاتُفَنِي بَعْضُ أَفَاضِلَ طَلَبَةَ الْعِلْمِ مِنْ الْمَشَايِخِ الْكِرَامِ كَانَ مِنْهُمْ: فَضِيلَةُ الدُّكْتُورِ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ الشَّيْخِ عَبْدُ الْمُحْسِنِ الْعِبَادُ الْبَدْرُ، وَفَضِيلَةُ الدُّكْتُورِ: خَالِدُ بْنُ عُثْمَانَ السَّبْتُ، حَيْثُ جَرَتْ مُهَاتِفَاتٌ مَعَهُمَا وَمُقَابَلَةً لِلشَّيْخِ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَانَتْ فَاتِحَةً خَيْرٌ لِلِاهْتِمَامِ بِالتَّفْسِيرِ وَبِنَسْخِهِ الْمَخْطُوطَةِ، وَطَبْعَاتِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِي الطَّبَعَاتِ عَوَارًا كَثِيرًا، وَأَنَّ التَّفْسِيرَ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى الْآنَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي تَرَكَهَا الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَبَيَانُ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلِ تَأْرِيخِي لِكِتَابَةِ الشَّيْخِ لِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَمَا وَقَعَ مِنْ طَبَاعَتِهِ، فَرَأَيْتُ أَنَّ أَعْرَضَ الْأَمْرَ مُفَصَّلًا فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ حَتَّى يَسْتَبِينَ الْأَمْرَ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ، وَيَرَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْكُتَبِيُّونَ وَالنَّاشِرُونَ فِي الْكُتُبِ.
تَأْلِيفُ الشَّيْخِ لِلتَّفْسِيرِ:
بَدَأَ الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- تَأْلِيفُهُ لِهَذَا التَّفْسِيرِ الْمُبَارَكِ فِي عَامٍّ ١٣٤٢ هـ وَأَنَّهَاهُ فِي عَامٍ ١٣٤٤ هـ.
وبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ قَدْ بَدَأَهُ وَلَهُ مِنْ الْعُمُرِ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ عَامًّا وَأَتَمَّهُ وَلَهُ مِنْ الْعُمُرِ سَبْعَةٌ وَثَلَاَثُونَ عَامًّا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout