هذا إِخْبَارُ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ عَنْ شِدَّةِ عِنَادٍ الْكَافِرِينَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ تَكْذِيبُهُمْ لِقُصُورٍ فِيمَا جِئْتُهُمْ بِهِ، وَلَاَ لِجَهْلٍ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ ظُلْمٌ وَبَغْيَ، لَاَ حِيلَةَ لَكُمْ فِيهِ، فَقَالَ: ﴿وَلَوْ نَزَلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ وتَيَقِنُوهُ ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ظلما وعلوا ﴿إِِنْ هَذَا إِِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
فأَيُّ بَيِّنَةُ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ، وَهَذَا قَوْلُهُمُ الشَّنِيعُ فِيهَا، حَيْثُ كَابِرُوا الْمَحْسُوسُ الَّذِي لَاَ يُمْكِنُ مََنَ لَهُ أَدْنَى مَسْكَةِ مَِنَ عَقْلِ دَفْعِهِ؟ "
﴿وَقَالُوا﴾ أَيْضَا تَعَنُّتَا مَبْنِيًّا عَلَى الْجَهْلِ، وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَعْقُولِ. ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلا أَنْزِلُ مَعَ مُحَمَّدٍ مِلْكً، يُعَاوِنُهُ وَيُسَاعِدُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ بِزَعْمِهِمْ أَنَّهُ بَشْرٌ، وَأَنَّ رِسَالَةَ اللَّهِ، لَاَ تَكُونُ إِلَّا عَلَى أَيْدِي الْمَلائِكَةِ.
قَالَ اللَّهُ فِي بَيَانِ رَحْمَتِهِ وَلَطْفِهِ بِعِبَادِهِ، حَيْثُ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بَشَرًا مِنْهُمْ يَكُونُ الْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ بِهِ، عَنْ عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَغَيْبٍ. ﴿وَلَوْ أَنزِلْنَا مَلَكًا﴾ برِسالتنَا، لَكَانَ الإِيمَانُ لَاَ يَصْدُرُ عَنْ مَعْرِفَةَ بِالْحَقِّ، وَلَكَانَ إِيمَانًا بِالشَّهَادَةِ، الَّذِي لَاَ يَنْفَعُ شَيْئًا وَحْدَهُ، هَذَا إِنْ آمَنُوا، وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ لَاَ يُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا قُضِيَ الْأَمْرَ بِتَعْجِيلِ الْهَلَاكِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِ إِنْظَارِهِمْ، لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّةَ اللَّهِ، فِيمَنْ طَلَبَ الْآيَاتِ الْمُقْتَرِحَةَ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهَا، فَإِرْسَالُ الرَّسُولِ الْبَشْرِيُّ إِلَيْهِمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهَا أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ، وَأَرْفَقَ بِهِمْ، مَعَ إِمْهَالِ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ وَالْمُكَذِّبِينَ خَيْرٌ لَهُمْ وَأَنْفَعَ، فَطَلَبَُهُمْ لِإِنْزَالِ الْمِلْكِ شَرٌّ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْمِلْكُ لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وَأَرْسَلَ، لَمْ يُطِيقُوا التَّلَقِّيَ عَنْهُ، وَلَا احْتَمَلُوا ذَلِكَ، وَلَا أَطَاقَتْهُ قَوَاهُمْ الْفَانِيَةَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout