﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ والسَّمع هَاهُنَا سَمِعَ اسْتِجَابَةً، أَيْ: مِنْ قِلَّةِ دِينِهِمْ وَعَقْلِهِمْ، أَنَّ اسْتَجَابُوا لِمَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الْقَوْلِ الْكَذِبَ.
﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: المال الحَرام، بِمَا يَأْخُذُونَهُ عَلَى سُفْلَتِهِمْ وَعَوَامِهِمْ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ وَالرَّوَاتِبِ، الَّتِي بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَجَمَعُوا بَيْنَ اتِّبَاعِ الْكَذِبِ وَأَكَلَ الْحَرَامِ.
﴿فَإِِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فَأَنْتِ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَنْسُوخَةً، فَإِنَّهُ-عِنْدَ تَحَاكُمْ هَذَا الصِّنْفِ إلَيْهِ- يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، أَوْ يَعْرِضَ عَنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، بِسَبَبِ أَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُمْ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِأَهْوَائِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مُسْتَفَتٍ وَمُتَحَاكِمٍ إِلَى عَالِمٍ، يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إِنْ حَكَمَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْضَ، لَمْ يَجِبْ الْحُكْمُ وَلَا الْإِفْتَاءُ لَهُمْ، فَإِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ وَجَبَ أَنْ يُحْكُمَ بِالْقِسْطِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ حَتى وَلَوْ كَانُوا ظُلْمَةُ وَأَعْدَاءً، فَلَا يَمْنَعُكُ ذَلِكَ مِنْ الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ.
وَفِي هَذَا بَيَانُ فَضِيلَةِ الْعَدْلِ وَالْقِسْطِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ.
ثم قَالَ مُتَعَجِّبًا لَهُمْ (١) ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ -لو كَانُوا مُؤْمِنِينَ عَامِلِينَ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ وَيُوجِبُهُ- لَمْ يُصَدِّفُوا عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، لَعَلَّهُمْ أَنْ يَجِدُوا عِنْدَكَ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ.
وَحِينَ حَكَمْتْ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ الْمُوَافِقِ لِمَّا عِنْدَهُمْ أَيْضًا، لَمْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ بَلْ أَعْرِضُوا عَنْهُ، فَلَمْ يَرْتَضُوهُ أَيْضًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوَلَئِِكَ﴾ الذِين هَذَا صَنِيعُهُمْ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لَيْسَ هَذَا دَأْبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسُوا حُرِّيَّيْنِ بِالإِيمَانِ. لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا آلِهَتَهُمْ أَهْوَاءَهُمْ، وَجَعَلُوا أَحْكَامَ الْإِيمَانِ تَابِعَةً لِأَهْوَائِهِمَ.
﴿إِِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ على مُوسِى بْنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ. ﴿فَِيهَا هُدًى﴾ يَهْدِي إِلَى الإِيمَانِ وَالْحَقِّ، وَيَعْصَمُ مِنَ الضَّلَاَلَةِ ﴿وَنُورٌ﴾ يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي ظُلْمِ الْجَهْلِ وَالْحِيرَةِ وَالشُّكُوكِ، وَالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ بيْن الَّذِينَ هَادُوا، أَيْ: الْيَهُودُ فِي الْقَضَايَا وَالْفَتَاوَى ﴿النََّّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ لله وانْقَادُوا لأَوَامِرِهِ، الَّذِينَ إِسْلَاَمُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ إِسْلَاَمِ غَيْرِهِمْ، وَهُمْ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنَ الْعِبَادِ. فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاَءِ النَّبِيُّونَ الْكِرَامَ وَالسَّادَةُ لِلْأَنَامِ قَدْ اقْتَدُوا بِهَا وَائْتَمُوا وَمَشَوا خَلْفَهَا، فَمَا الَّذِي مَنَعَ هَؤُلَاَءِ الْأَرَاذِلُ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهَا؟ وَمَا الَّذِي أَوْجَبَ لَهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا أَشْرَفَ مَا فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، الَّذِي لَا يُقْبَلُ عَمَلُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنَ، إِلَّاَّ بِتِلْكَ الْعَقِيدَةِ؟ هَلْ لَهُمْ إِمَامٌ فِي ذَلِكَ؟ نَعَمْ لَهُمْ أَئِمَّةَ دَأْبَهُمْ التَّحْرِيفَ، وَإِقَامَةُ رِيَاسَتِهِمْ وَمَنَاصِبِهِمْ بَيْنَ النَّاسِ، وَالتَّأَكُّلِ بِكِتْمَانِ الْحَقِّ، وَإِظْهَارِ الْبَاطِلِ، أُولَئِكَ أَئِمَّةُ الضَّلَالِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ.
وقَوْله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ أَيُّ: وَكَذَلِكَ يَحْكُمُ بِالتَّوْرَاةِ لِلَّذِينَ هَادُوا أَئِمَّةَ الدِّينِ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ، أَيْ: الْعُلَمَاءُ الْعَامِلِينَ الْمُعَلِّمِينَ الَّذِينَ يَرِبُّونَ النَّاسَ بِأَحْسَنَ تَرْبِيَةً، وَيُسْلِكُونَ مَعَهُمْ مَسْلَكَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُشْفِقِينَ.
وَالْأَحْبَارِ أَيْ: الْعُلَمَاءُ الْكِبَارَ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِمْ، وَتَرْمَّقِ آثَارِهُمْ، وَلَهُمْ لِسَانُ الصِّدْقِ بَيْنَ أُمَمِهِم.
⦗٢٣٣⦘
وذلك الحكم الصَّادِرُ مِنْهُمُ الْمُوَافِقُ لِلْحَقِّ ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ أي: بسَبَبِ أَنَّ اللَّهُ اسْتَحْفَظَهُمْ عَلَى كِتَابِهِ، وَجَعَلَهُمْ أَمَنَاءً عَلَيْهِ، وَهُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُمْ، أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ حِفْظَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالْكِتْمَانِ، وَتَعْلِيمِهِ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ.
وَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ أَنَّهُمْ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِمْ فِيهِ، وَفِيمَا اشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ، فَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ حَمَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ، مَا لَمْ يَحْمِلْهُ الْجَهَالُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِأَعْبَاءِ مَا حَمَلُوا.
وَأَنْ لَاَ يَقْتَدُوا بِالْجِهَالِ، بِالْإِخْلَادِ إِلَى الْبَطَالَةِ وَالْكُسْلِ، وَأَنْ لَا يَقْتَصِرُوا عَلَى مُجَرَّدِ الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ، مِنْ أَنْوَاعِ الذِّكَرِ، وَالصَّلَاَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّوْمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ، الَّتِي إِذَا قَامَ بِهَا غَيْرُ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَّمُوا وَنَجُّوا.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ فَكَمَا أَنَّهُمْ مُطَالِبُونَ بِالْقِيَامِ بِمَا عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، فَإِنَّهُمْ مُطَالِبُونَ أَنْ يَعْلَمُوا النَّاسَ وَيَنْبِهُوهُمْ عَلَى مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ، خُصُوصًا الْأُمُورَ الْأُصُولِيَّةِ وَاَلَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا وَأَنْ لَاَ يَخْشُوا النَّاسَ بَلْ يَخْشُونَ رَبُّهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قََلِيلا﴾ فَتَكْتُمُونَ الْحَقِّ، وَتَظْهَرُونَ الْبَاطِلِ، لِأَجْلِ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْقَلِيلِ، وَهَذِهِ الْآفَاتُ إِذَا سَلَّمَ مِنْهَا الْعَالِمُ فَهُوَ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَسَعَادَتِهِ، بِأَنْ يَكُونَ هَمُهُ الِاجْتِهَادُ فِي الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ اسْتَحْفَظَهُ مَا (٢) أَوْدَعُهُ مِنْ الْعِلْمِ وَاسْتَشْهَدَهُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنْ رَبِّهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ خَوْفُ النَّاسِ وَخَشْيَتِهِمْ مِنْ الْقِيَامِ بِمَا هُوَ لَازِمٌ لَهُ، وَأَنْ لَا يُؤَثِّرَ الدُّنْيَا عَلَى الدَّيْنَ.
كَمَا أَنَّ عَلَامَةَ شَقَاوَةِ الْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ مُخْلَّدًا لِلْبِطَالَةِ، غَيْرُ قَائِمٍ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَلَا مُبَالَ بِمَا اُسْتُحْفَظَ عَلَيْهِ، قَدْ أَهْمَلَهُ وَأَضَاعَهُ، قَدْ بَاعَ الدَّيْنُ بِالدُّنْيَا، قَدْ ارْتَشَى فِي أَحْكَامِهِ، وَأَخَذِ الْمَالِ عَلَى فَتَاوِيهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عِبَادَ اللَّهِ إِلَّا بِأُجْرَةٍ وَجَعَالَةٍ.
فَهَذَا قَدْ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِمِنَّةٍ عَظِيمَةٌ، كُفْرِهَا وَدَفَعَ حَظًّا جَسِيمًا، مَحْرُومًا مِنْهُ غَيْرُهُ، فَنَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبِّلًا وَأَنْ تَرْزَقَنَا الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ مِنْ كُلِّ بَلَاءٍ يَا كَرِيمَ.
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِيِّنِ، وَحَكِمَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَعْلَمُهُ، لِغَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِهِ الْفَاسِدَةِ ﴿فَأَُوَلَئِِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فَالْحَكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا يُنْقَلُ عَنْ الْمِلَّةِ، وَذَلِكَ إِذَا اعْتَقَدَ حِلُّهُ وَجَوَازُهُ. وَقَدْ يَكُونُ كَبِيرَةً مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَمِنْ أَعْمَالِ الْكُفْرِ قَدْ اُسْتُحِقَّ مِنْ فِعْلِهِ الْعَذَابُ الشَّدِيدَ.
1 (١) في ب: منهم. (٢) في ب: بما.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout