إلى آخر الْقِصَّةِ (١) . لَمَّا امْتُنَّ اللَّهُ عَلَى مُوسَى وَقَوْمِهُ بِنَجَاتِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَأَسَرِهُمْ وَاسْتِبْعَادِهِمْ، ذَهَبُوا قَاصِدَينِ لِأَوْطَانِهِمْ وَمَسَاكِنِهُمْ، وَهِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوَالَيْهِ، وَقَارَبُوا وُصُولُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ جِهَادُ عَدُوِّهِمْ لِيَخْرِجُوهُ مِنْ دِيَارِهِمْ. فَوَعَظَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَذَكَرَهُمْ لِيَقْدِّمُوا عَلَى الْجِهَادِ فَقَالَ لَهُمْ: ﴿َاذَْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بقُلُوبَكُمْ وَأَلْسِنْتُكُمْ. فَإِنْ ذَكَرَهَا دَاعَ إِلَى مَحَبَّتِهِ تَعَالَى وَمُنْشِطٌ عَلَى الْعِبَادَةِ، ﴿إِِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ﴾ يَدْعُونُكُمْ إِلَىَّ الْهُدْىِ، وَيُحْذُرُونَكُمْ مِنَ الرُّدَّى، وَيَحْثُونَكُمْ عَلَى سَعَادَتِكُمْ الأَبَدِيَةِ، وَيَعْلَمُونَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴿ُوَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ تَمَلِكُونُ أَمْرُكُمْ، بِحَيْثُ إِنَّهُ زَالَ عَنْكُمْ اسْتِعْبَادَ عَدُوِّكُمْ لَكُمْ، فَكُنْتُمْ تَمْلِكُونَ أَمْرَكُمْ، وَتَتَمَكَّنُونَ مِنْ إِقَامَةِ دِينِكُمْ.
﴿وَآتَِاكُمْ﴾ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ ﴿مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ فإِنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانُ خِيْرَةُ الْخُلْقِ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنَعَمِ مَا كَانَتْ لِغَيْرِهِمْ.
فَذَكَرَهُمْ بِالنِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، الدَّاعِي ذَلِكَ لِإِيمَانِهِمْ وَثَبَاتِهِ، وَثَبَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِقْدَامِهِمْ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ِيَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ .
أي: المُطهرَّةُ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرًا تَطْمَئِنَّ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مُصَدَّقِينَ بِخَبَرِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ قَدْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ دُخُولَهَا، وَانْتِصَارُهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ. ﴿وَلاَ تََرْتَدُّوا﴾ أَي: تَرْجِعُوا ﴿عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِِرِينَ﴾ قد ⦗٢٢٨⦘ خَسَرَتُم دُنْيَاكُمْ بِمَا فَاتَكُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَفَتْحِ بِلاَدِكُمْ. وَآخِرْتُكُمْ بِمَا فَاتَكُمْ مِنَ الثَّوَابِ، وَمَا اسْتَحْقَقْتُمْ -بِمَعْصِيَتِكُمْ- مِنَ الْعِقَابِ، فَقَالُوا قَوْلا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ قُلُوبِهِمْ، وَخَوْرِ نُفُوسِهِمْ، وَعَدَمِ اهْتِمَامِهِمْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ شدَيْدِي الْقُوَّةُ وَالشَّجَاعَةُ، أَيْ: فَهَذَا مِنَ الْمَوَانِعِ لَنَا مِنْ دُخُولِهَا.
﴿وَإِِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ وهَذَا مِنَ الْجُبْنِ وَقِلَّةُ الْيَقِينِ، وَإِلَّاَّ فَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ رُشْدُهُمْ، لِعَلِمُوا أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَأَنَّ الْقَوِيَّ مَنْ أَعَانَهُ اللَّهُ بِقُوَّةِ مِنْ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَاَ قُوَّةَ إِلَّاَّ بِاَللَّهِ، وَلِعَلَّمُوا أَنَّهُمْ سَيَنْصِرُونَ عَلَيْهِمْ، إِذْ وَعَدَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وَعَدًا خَاصًّا.
﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الله تعالى، مُشْجِعِينَ لِقَوْمِهِمْ، مَنْهَضِيْنَ لَهُمْ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّهِمْ وَاحْتِلَالِ بِلَاَدِهِمْ. ﴿أََنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالتَّوفِيق، وَكَلِمَةُ الْحَقِّ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الْمُحْتَاجِ إِلَى مِثْلِ كَلَاَمِهِمْ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينَ.
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ أَيِّ: لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ نُصْرِكُمْ عَلَيْهِمْ إِلَّاَّ أَنْ تَجْزِمُوا عَلَيْهِمْ، وَتَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ سَيِّنَهُزِمُونَ، ثُمَّ أَمََّرََاهِمْ بِعِدَّةٍ هِيَ أَقْوَى الْعَدَدِ، فَقَالَاَ ﴿ُوَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فَإِنَّ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ -وَخُصُوصًا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ- تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ، وَنَصَرًا عَلَى الْأَعْدَاءِ. وَدَلَّ هَذَا عَلَى وُجُوبِ التَّوَكُّلِ، وَعَلَى أَنَّهُ بِحَسَبِ إِيمَانِ الْعَبْدِ يَكُونُ تَوَكُّلُهُ، فَلَمْ يَنْجِعْ فِيهِمْ هَذَا الْكَلَاَمُ، وَلَا نَفْعَ فِيهِمْ الْمَلَّامَ، فَقَالُوا قَوْلُ الْأَذُلِينَ:
1 (١) في ب: كتب الآيات إلى قوله: "فلا تأس على القوم الفاسقين".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout