يقول تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أي: مُحَرَّمَاتُهُ الَّتِي أَمَرَكُمْ بِتَعْظِيمِهَا، وَعَدَمِ فِعْلِهَا، وَالنَّهْيِ يَشْمَلُ النَّهْيَ عَنْ فِعْلِهَا، وَالنَّهْيِ عَنْ اعْتِقَادِ حِلِّهَا؛ فَهُوَ يَشْمَلُ النَّهْيَ، عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ، وَعَنْ اعْتِقَادِهِ.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ النَّهْيِ عَنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ، وَمُحَرَّمَاتِ الْحَرَمِ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ الشََّّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي: لا تَنْتَهِكُوهُ بِالْقِتَالِ فِيهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ .
والْجُمُهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ فِي الْأَشْهُرِ الْحَرَمِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِِذَا انسَِلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْعُمُومَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا، وَالْوَعِيدُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ قِتَالِهِمْ مُطْلَقًا.
⦗٢١٩⦘
وبأن النَّبِي صلى الله عليه وسَلَّمَ قَاتَلَ أَهْلَ الطَّائِفِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُوَ مِنْ الْأَشْهُرِ الْحَرَمَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحَرَمِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا فِيهِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ، وَحَمَلُوا النُّصُوصَ الْمُطْلَّقَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالُوا: الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
وَفَصْلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحَرَمِ، وَأَمَّا اسْتِدَامَتُهُ وَتَكْمِيلُهُ إذَا كَانَ أَوَّلُهُ فِي غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
وَحَمَلُوا قِتَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الطَّائِفِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ أَوَّلَ قِتَالِهِمْ فِي "حْنَيْنِ" فِي "شوَال". وَكُلُّ هَذَا فِي الْقِتَالِ الَّذِي لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الدَّفْعُ.
فَأَمَّا قِتَالُ الدَّفْعِ إِذَا ابْتَدَأَ الْكُفَّارُ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ الْقِتَالُ، دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ أيِّ: وَلاَ تَحِلُّوا الْهَدْيَ الَّذِي يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، مِنْ نَعَمْ وَغَيْرِهَا، فَلَا تَصِدُّوهُ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَحَلِّهِ، وَلَا تَأْخُذُوهُ بِسَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَا تَقْصِرُوا بِهِ، أَوْ تَحْمِلُوهُ مَا لَا يُطِيقُ، خَوْفًا مِنْ تَلَفِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مَحَلِّهِ، بَلْ عَظْمُوهُ وَعَظَمُوا مَنْ جَاءَ بِهِ.
﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ هذا نَوع خَاصٍّ مِنْ أَنْوَاعِ الْهَدْيِ، وَهُوَ الْهَدْيُ الَّذِي يُفْتَلُ لَهُ قَلائِدٌ أَوْ عَرَى، فَيُجْعَلُ فِي أَعْنَاقِهِ إِظْهَارًا لِشَعَائِرِ اللَّهِ، وَحَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ، وَتَعْلِيمًا لَهُمْ لِلسُّنَّةِ، وَلْيُعْرِفْ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَحْتَرِمُ، وَلِهَذَا كَانَ تَقْلِيدُ الْهَدْيِ مِنَ السُّنَنِ وَالشَّعَائِرِ الْمَسْنُونَةِ.
﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أيِّ: قَاصِدِينَ لهُ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أَيُّ: مَنْ قَصَدَ هَذَا الْبَيْتُ الْحَرَامِ، وَقَصَدَهُ فَضْلُ اللَّهُ بِالتِّجَارَةِ وَالْمَكَاسِبِ الْمُبَاحَةِ، أَوْ قَصَدَهُ رِضْوَانُ اللَّهِ بِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ وَالطَّوَافُ بِهِ، وَالصَّلَاةُ، وَغَيْرُهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِسُوءً، وَلَا تُهَيِّنُوهُ، بَلْ أَكْرَمُوهُ، وَعَظَمُوا الْوَافِدِينَ الزَّائِرِينَ لِبَيْتِ رَبِّكُمَ.
وَدَخَلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْأَمْرَُ بِتَأْمِينِ الطُّرُقِ الْمُوصِّلَةِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَجَعَلَ الْقَاصِدِينَ لَهُ مُطْمِئِنِينَ مُسْتَرِيحِينَ، غَيْرُ خَائِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ، وَلَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ مِنْ الْمَكْسِ وَالنَّهْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَخْصُوصَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ِيَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فالْمُشْرِكُ لا يُمَكَّن مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الْحَرَمِ.
وَالتَّخْصِيصِ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِمَنْ قَصَدَ الْبَيْتَ ابْتِغَاءَ فَضْلِ اللَّهِ أَوْ رِضْوَانُهُ -يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَصَدَهُ لِيَلْحَدَ فِيهِ بِالْمَعَاصِي، فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ احْتِرَامِ الْحَرَمِ صَدَّ مِنْ هَذِهِ حَالِهِ عَنِ الْإِفْسَادِ بِبَيْتِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
ولمَا نَهَاهُمْ عَنِ الصَّيْدِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ قَالَ: ﴿وَإِِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي: إِذَا حَلَلْتُمْ مِنَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَخَرَجْتُمْ مِنَ الْحَرَمِ حَلَّ لَكُمْ الِاصْطِيَادُ، وَزَالَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ. وَالْأَمْرُ بَعْدَ التَّحْرِيمِ يَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ.
﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ أَيُّ: لاَ يَحْمِلُنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ وَعَدَاوَتِهِمْ وَاعْتِدَاؤُهُمْ عَلَيْكُمْ، حَيْثُ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ، عَلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ، طَلَبًا لِلِاشْتِفَاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْعَبْدَ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ أَمْرَ اللَّهِ، وَيُسْلِكُ طَرِيقَ الْعَدْلِ، وَلَوْ جَُنِي عَلَيْهِ أَوْ ظُلِمٍ وَاعْتُدِيَ عَلَيْهِ، فَلَاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ، أَوْ يَخُونَ مِنْ خَانَهُ.
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ أيِّ: لَيَعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى الْبَرِّ. وَهُوَ: اسْمُ جَامِعٍ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، مِنْ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَالتَّقْوَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: اسْمٌ جَامِعٌ لِتَرْكِ كُلِّ مَا يُكْرَهُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، مِنْ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. وَكُلُّ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِهَا، أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الشَّرِّ الْمَأْمُورِ بِتَرْكِهَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِفِعْلِهَا بِنَفْسِهِ، وَبِمُعَاوَنَةِ غَيْرِهِ مِنْ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهَا، بِكُلِّ قَوْلٍ يَبْعَثُ عَلَيْهَا وَيُنْشَطُ لَهَا، وَبِكُلِّ فِعْلٍ كَذَلِكَ.
﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ﴾ وَهُو التَّجَرُّؤُ عَلَى الْمَعَاصِي الَّتِي يَأْثَمُ صَاحِبُهَا، وَيُحْرُجُ. ﴿وََالْعُدْوَانِ﴾ وهو التَّعَدِّيُّ عَلَى الْخَلْق فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهُمْ، فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ وَظُلْمٍ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ كَفَّ نَفْسُهُ عَنْهُ، ثُمَّ إِعَانَةُ غَيْرِهِ عَلَى تَرْكِهِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ عَلى مَنَّ عَصَاهُ وَتَجْرَأَ عَلَى مَحَارِمِهِ، فَاحْذَرُوا الْمَحَارِمَ لِئَلَّا يَحِلَّ بِكُمْ عِقَابَهُ الْعَاجِلُ وَالْآجِلُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout