﴿وََلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أي: تَسَلُّطًا وَاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَاَ تُزَالُ طَائِفَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورَةً، لَاَ يَضُرُّهُمْ مِنْ خَذْلِهِمْ وَلَاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَلَاَ يَزَالُ اللَّهُ يُحَدُثُ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَدَفْعٍَ لِتَسَلُّطِ الْكَافِرِينَ، مَا هُوَ مَشْهُودٌ بِالْعَيَانِ. حَتَّى إِنَّ [بَعْضَ] (١) الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَحْكُمُهُمْ الطَّوَائِفُ الْكَافِرَةَ، قَدْ بَقُوا مُحْتَرِمِينَ لَاَ يَتَعَرَّضُونَ لِأَدْيَانِهِمْ وَلَاَ يَكُونُونَ مُسْتَصْغِرِينَ عِنْدَهُمْ، بَلْ لَهُمْ الْعِزُّ التَّامُّ مِنَ اللَّهِ، فَلَهُ (٢) الْحَمْدُ أَوّلا وَآخَرًُا، وَظَاهِرًٌا وَبَاطِنًَا. ⦗٢١١⦘
يخْبَرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ، مِنْ قَبِيحِ الصِّفَاتِ وَشَنَائِعِ السَّمَاتِ، وَأَنَّ طَرِيقَتَهُمْ مُخَادَعَةُ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ: بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ الإِيمَانِ وَأَبْطَنُوهُ مِنَ الْكُفْرَانِ، ظَنُّوا أَنَّهُ يُرُوجُ عَلَى اللَّهِ وَلَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَبْدِيهِ لِعِبَادِهِ، وَالْحَالُ أَنَّ اللَّهَ خَادَعَهُمْ، فَمُجَرَّدُ وُجُودِ هَذِهِ الْحَالِ مِنْهُمْ وَمَشْيَهُمْ عَلَيْهَا، خِدَاعٌ لِأَنْفُسِهِمْ. وَأَيُّ خِدَاعِ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَسْعَى سَعْيًا يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْهَوَانِ وَالذَّلِّ وَالْحِرْمَانِ؟ "
وَيَدُلُّ بِمُجَرَّدِهِ عَلَى نَقْصِ عَقْلِ صَاحِبِهِ، حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ، وَرَآهَا حَسَنَةً، وَظَنُّهَا مِنْ الْعَقْلِ وَالْمُكْرَ، فَلِلَّهِ مَا يَصْنَعُ الْجَهْلَ وَالْخُذْلَانِ بِصَاحِبِهِ.
وَمِنْ خِدَاعِهِ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿َيَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ......﴾ إلى آخر الآيَاتِ.
" وَ" مِنْ صِفَاتِهِمْ أَنَّهُمْ ﴿إِِذَا قََامُوا إِِلَى الصَّلاةِ﴾ -إِن قَامُوا- الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ الطَّاعَاتِ الْعَمَلِيَّةِ ﴿قََامُوا كُسَالَى﴾ مُتَثَاقِلِينَ لَهَا مُتَبَرِّمِينَ مِنْ فِعْلِهَا، وَالْكَسْلِ لَاَ يَكُونُ إِلَّاَّ مِنْ فَقْدِ الرَّغْبَةِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَلَوْلَا أَنَّ قُلُوبَهُمْ فَارِغَةٌ مِنْ الرَّغْبَةِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى مَا عِنْدَهُ، عَادِمَةٌ لِلْإِيمَانِ، لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمُ الْكُسَلَ، ﴿ِيُرَِاءُونَ النَّاسَ﴾ أي: هذا الَّذِي انْطَوْتُ عَلَيْهِ سَرَائِرُهُمْ وَهَذَا مَصْدَرُ أَعْمَالِهِمْ، مُرَاءَاةُ النَّاسِ، يَقْصِدُونَ رُؤْيَةَ النَّاسِ وَتَعْظِيمِهِمْ وَاحْتِرَامِهِمْ وَلَاَ يَخْلِصُونَ لِلَّهِ، فَلِهَذَا ﴿لا يَذِْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ لامْتِلاَءِ قُلُوبِهِمْ مِنَ الرِّيَاءِ، فَإِنَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَمُلَازَمَتُهُ لَاَ يَكُونُ إِلَّاَّ مِنْ مُؤْمِنٍ مُمْتَلِئٍ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ أيِّ: مُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ فَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ وَفَرِيقُ الْكَافِرِينَ. فَلَاَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَاَ مِنَ الْكَافِرِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. أَعْطُوا بَاطِنَهُمْ لِلْكَافِرِينَ وَظَاهِرُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا أَعْظَمُ ضَلَاَلٌ يَقْدِرُ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ أَيُّ: لَنْ تَجِدُ طَرِيقًا لِهِدَايَتِهِ وَلَا وَسِيلَةَ لِتَرْكِ غَوَايَتِهِ، لِأَنَّهُ انْغَلَقَ عَنْهُ بَابُ الرَّحْمَةِ، وَصَارَ بَدَلُهُ كُلُّ نَقْمَةٍ.
فَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الْمَذْمُومَةُ تَدُلُّ بِتَنْبِيهِهَا عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُتَّصِفُونَ بِضِدِّهَا، مِنْ الصِّدْقِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَالْإِخْلَاصِ، وَأَنَّهُمْ لَاَ يَجْهَلُ مَا عِنْدَهُمْ، وَنِشَاطِهُمْ فِي صَلَاَتِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى. وَأَنَّهُمْ قَدْ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُمْ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. فَلْيُعْرِضْ الْعَاقِلُ نَفْسَهُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَلْيَخْتَرْ أَيُّهُمَا أَوْلَى بِهِ، وَبِاَللَّهِ (٣) المُسْتَعَانِ.
1 (١) زيادة من هامش ب. (٢) في ب: فلله. (٣) في ب: والله.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout