﴿وََاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما صَدَّرُ مِنْك إِنَّ صَدَرَ.
﴿إِِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيُّ: يَغْفِرُ الذَّنْبُ الْعَظِيمُ لِمَنْ اسْتَغْفَرَهُ، وَتَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ وَيُوَفِّقُهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُوجَِبِ لِثَوَابِهِ وَزَوَالِ عِقَابِهِ.
﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ "الاخْتِيان" و"الخيَانَةِ" بِمَعْنَى الْجِنَايَةِ وَالظُّلْمِ وَالْإِثْمِ، وَهَذَا يَشْمَلُ النَّهْيَ عَنِ الْمُجَادَلَةِ، عَنْ مَنْ أَذْنَبَ وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ، فَإِنَّهُ لَا يُجَادِلُ عَنْهُ بِدَفْعِ مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ الْخِيَانَةِ، أَوْ بِدَفْعِ مَا تَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْعُقُوبَةِ الشَّرْعِيَّةِ. ﴿إِِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ أَيُّ: كَثِيرُ الْخِيَانَةِ وَالْإِثْمُ، وَإِذَا انْتَفَى الْحَبُّ ثَبَتَ ضِدُّهُ وَهُوَ الْبَُغْض، وَهَذَا كَالتَّعْلِيلِ، لِلنَّهْيِ الْمُتَقَدِّمِ.
ثُمَّ ذَكِرَ عَنْ هَؤُلَاَءِ الْخَائِنِينَ أَنَّهُمْ ﴿ِيَسْتَخْفُونَ مِنَ النََّّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهَذَا مَنْ ضَعَّفَ الإِيمَانَ، وَنُقْصَانِ الْيَقِينِ، أَنْ تَكُونَ مَخَافَةُ الْخَلْقِ عِنْدَهُمْ أَعْظَمُ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ، فَيُحْرِصُونَ بِالطُّرُقِ الْمُبَاحَةِ وَالْمُحَرَّمَةِ عَلَى عَدَمِ الْفَضِيحَةِ عِنْدَ النَّاسِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ قَدْ بَارَزُوا اللَّهَ بِالْعَظَائِمِ، وَلَمْ يُبَالُوا بِنَظَرِهِ وَاطِّلَاعِهُ عَلَيْهِمْ.
وَهُوَ مَعَهُمْ بِالْعِلْمِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، خُصُوصًًا فِي حَالِ تَبْيِيتِهِمْ مَا لَاَ يَرْضِيهِ مِنْ الْقَوْلِ، مِنْ تَبْرِئَةِ الْجَانِي، وَرَمْيِ الْبَرِيءِ بِالْجِنَايَةِ، وَالسَّعْيِ فِي ذَلِكَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَفْعَلَ مَا بَيْتُوَهُ.
فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ عِدَّةِ جِنَايَاتٍ، وَلَمْ يُرَاقِبُوا رَبَّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، الْمُطَّلِعِ عَلَى سَرَائِرِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ، وَلِهَذَا تَوَعِدُهُمْ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿ُوَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ أَيُّ: قَدْ أَحَاطَ بِذَلِكَ عِلْمًا، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُعَاجِلْهُمْ بِالْعُقُوبَةِ بَلْ اسْتَأْنَى بِهِمْ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ التَّوْبَةَ وَحَذَرَهُمْ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَنْبِهِمْ الْمُوجِبِ لِلْعُقُوبَةِ الْبَلِيغَةِ.
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ أيُّ: هَبُكُم جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَدَفَعَ عَنْهُمْ جِدَالُِكُمْ بَعْضُ مَا تَحَذَّرُونَ (١) مِنَ الْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ عِنْدَ الْخَلْق، فَمَاذَا يُغْنِي عَنْهُمْ وَيَنْفَعُهُمْ؟ وَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهُ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ؟ ﴿َيَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ .
فمَنْ يُجَادِلُ عَنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وَمَنْ أَقَامَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشُّهُودِ مَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْإِنْكَارُ؟ وَفِي هَذِهِ الآيَةِ إِرْشَادٌ (٢) إِلَى الْمُقَابِلَةِ بَيْنَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى تَرْكِ أَوَامِرِ اللَّهِ أَوْ فِعَلَ مَنَاهِيهِ، وَبَيْنَ مَا يَفُوتُ مِنْ ثَوَابِ الآخِرَةِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ عُقُوبَاتِهَا.
فَيَقُولُ مِنْ أَمَرْتِهُ نَفْسَهُ بِتَرْكِ أَمْرِ اللَّهِ هَا أَنْتَ تَرَكْتُ أَمْرَهُ كَسْلًا وَتَفْرِيطًا فَمَا النَّفْعُ الَّذِي انْتَفَعَتْ بِهِ؟ وَمَاذَا فَاتَكَ مِنْ ثَوَابِ الآخِرَةِ؟ وَمَاذَا تَرَتَّبَ عَلَى هَذَا التَّرْكِ مِنْ الشِّقَاءِ وَالْحِرْمَانِ وَالْخَيْبَةِ وَالْخُسْرَانِ؟
وَكَذَلِكَ إِذَا دَعَتْهُ نَفْسَهُ إِلَى مَا تَشْتَهِيهِ مِنْ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ قَالَ لَهَا: هَبَكَ فَعَلْت مَا اشْتَهَيْت فَإِنَّ لَذَّتَهُ تَنْقَضِي وَيَعْقِبُهَا مِنْ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْحَسْرَاتِ، وَفَوَاتِ الثَّوَابِ وَحُصُولِ الْعِقَابِ - مَا بَعْضُهُ يَكْفِي الْعَاقِلُ فِي الْإِحْجَامِ عَنْهَا. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْفَعُ الْعَبْدََ تَدَبَّرَُه، وَهُوَ خَاصَّةُ الْعَقْلِ الْحَقِيقِيِّ. بِخِلَافِ الَّذِي (٣) يَدَّعِي الْعَقْل، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ بِجَهْلِهِ وَظُلْمِهُ يُؤَثِّرُ اللَّذَّةُ الْحَاضِرَةَ وَالرَّاحَةُ الرَّاهِنَةُ، وَلَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مَا تَرَتَّبَ. وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانَ.
ثم قَالَ تَعَالَى: ﴿ُوَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيُّ: مَنْ تَجَرَّأَ عَلَى الْمَعَاصِي وَاقْتَحَمَ عَلَى الْإِثْمِ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهُ اسْتِغْفَارًا تَامًّا يَسْتَلْزِمُ الْإِقْرَارَ بِالذَّنْبِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ وَالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ. فَهَذَا قَدْ وَعَدَهُ مَنْ لَا يَخْلُفُ الْمِيعَادَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ.
فَيُغْفِرُ لَهُ مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ الذَّنْبِ، وَيُزِيلُ عَنْهُ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ، وَيُعِيدُ إلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَيُوَفِّقُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ عُمْرِهِ، وَلَا يُجْعَلُ ذَنْبُهُ حَائِلًا عَنْ تَوْفِيقِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ غَفَرَهُ، وَإِذَا غَفَرَهُ غَفَرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ عَمَلَ السُّوءِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَشْمَلُ سَائِرَ الْمَعَاصِي، الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَسُمِّيَ "سُوءًَا" لِكَوْنِهِ يَسُوءُ عَامِلَهُ بِعُقُوبَتِهِ، وَلِكَوْنِهِ فِي نَفْسِهِ سَيْئًَا غَيْرَ حَسَنَ.
وَكَذَلِكَ ظُلْمُ النَّفْسِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَشْمَلُ ظُلْمَهَا بِالشِّرْكِ فَمَا دُونَهُ. وَلَكِنْ ⦗٢٠١⦘ عِنْدَ اقْتِرَانِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ قَدْ يُفَسِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يُنَاسِبُهُ، فَيُفَسِّرُ عَمَلُ السُّوءِ هُنَا بِالظُّلْمِ الَّذِي يَسُوءُ النَّاسَ، وَهُوَ ظُلْمُهُمْ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ.
وَيُفَسِّرُ ظُلْمَ النَّفْسِ بِالظُّلْمِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عَبْدِهِ، وَسُمِّيَ ظُلْمِ النَّفْسِ "ظلْمَا" لِأَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِمَا يَشَاءَ، وَإِنَّمَا هِيَ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى قَدْ جَعَلَهَا أَمَانَةً عِنْدَ الْعَبْدِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَهَا عَلَى طَرِيقِ الْعَدْلِ، بِإِلْزَامِهَا لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ عِلْمًَا وَعَمَلًا فَيَسْعَى فِي تَعْلِيمِهَا مَا أُمَرَ بِهِ وَيَسْعَى فِي الْعَمَلِ بِمَا يَجِبُ، فَسَعْيُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ وَخِيَانَةٍ وَعُدُولٍ بِهَا عَنْ الْعَدْلِ، الَّذِي ضِدَّهُ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وَهَذَا يَشْمَلُ كُلُّ مَا يُؤْثَمُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، فَمَنْ كَسَبَ سَيِّئَةٍ فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا الدُّنْيَوِيَّةَ وَالْأُخْرَوِيَّةِ عَلَى نَفْسِهِ، لَا تَتَعَدَّاهَا إلَى غَيْرِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لكن إِذَا ظَهَرْتُ السَّيِّئَاتُ فَلَمْ تُنْكِرْ عَمَّتْ عُقُوبَتُهَا وَشَمِلَ إثْمَهَا، فَلَا تَخْرُجُ أَيْضًا عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْإِنْكَارَ الْوَاجِبِ فَقَدْ كَسَبَ سَيِّئَةً.
وَفِي هَذَا بَيَانُ عَدْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ أَحَدًا بِذَنْبٍ أَحَدٍ، وَلَا يُعَاقَبُ أَحَدًا أَكْثَرَ مِنْ الْعُقُوبَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ ذَنْبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ُوَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أَي: لَهُ الْعِلْمُ الْكَامِلُ وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ.
وَمَنْ عِلْمَهُ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الذَّنْبَ وَمَا صَدَرَ مِنْهُ، وَالسَّبَبُ الدَّاعِي لِفِعْلِهِ، وَالْعُقُوبَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُعْلَمُ حَالَةَ الْمَذْنَبِ، أَنَّهُ إنْ صَدَرَ مِنْهُ الذَّنْبُ بِغَلَبَةِ دَوَاعِي نَفْسِهِ الْأَمَارَةَ بِالسُّوءِ مَعَ إنَابَتِهِ إلَى رَبِّهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَوْقَاتِهِ، أَنَّهُ سَيَغْفِرُ لَهُ وَيُوَفِّقُهُ لِلتَّوْبَةِ.
وَإِنْ صَدَرَ مِنْهُ بِتَجْرُّئِهِ عَلَى الْمَحَارِمِ اسْتِخْفَافًا بِنَظَرِ رَبِّهِ، وَتَهَاوُنَا بِعِقَابِهِ، فَإِنَّ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ الْمَغْفِرَةِ بَعِيدٌ مِنْ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ.
ثم قَالَ: ﴿ُوَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ أيُّ: ذَنْبًا كَبِيرًا ﴿أََوْ إِِثْمًا﴾ مَا دُونَ ذَلِكَ. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أَيِّ: يُتُّهَمُ بِذَنْبِهِ ﴿بَِرِِيئًا﴾ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبَ، وَإِنْ كَانَ مُذْنِّبًا. ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أَيُّ: فَقَدْ حَمَلَ فَوْقَ ظَهْرِهِ بِهْتَا لِلْبَرِيءِ وَإِثْمًَا ظَاهِرًٌا بَيْنًَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَمُوبَقَاتِهَا، فَإِنَّهُ قَدْ جَمَعَ عِدَّةَ مَفَاسِدَ: كَسْبِ الْخَطِيئَةِ وَالْإِثْمِ، ثُمَّ رَمَْي مََنَ لَمْ يَفْعَلْهَا بِفِعْلِهَا، ثُمَّ الْكَذِبُ الشَّنِيعُ بِتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ وَاتِّهَامِ الْبَرِيءِ، ثُمَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، تَنْدَفِعُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَتُقَامُ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا.
ثُمَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فِي الْبَرِيءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي نَسْأَلُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ شَرٍّ.
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْتَهُ عَلَى رَسُولِهِ بِحِفْظِهِ وَعِصْمَتِهِ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَضِلَّهُ فَقَالَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ وَذلك أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ قَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا: أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ سَرَقُوا فِي الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اطَّلَعَ عَلَى سَرِقَتِهِمْ خَافُوا الْفَضِيحَةَ، وَأَخَذُوا سَرِقَتَهُمْ فَرَمُوهَا بِبَيْتِ مَنْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَاسْتَعَانَ السَّارِقُ بِقَوْمِهِ أَنْ يَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَطْلِبُوا مِنْهُ أَنْ يُبْرِئَ صَاحِبَهُمْ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ وَإِنَّمَا الَّذِي سَرَقَ مَنْ وُجَدَتْ السَّرِقَةُ بِبَيْتِهِ وَهُوَ الْبَرِيءُ. فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْرِئَ صَاحِبَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَاتَ تَذْكِيرًا وَتَبْيِينًا لِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ وَتَحْذِيرًا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُخَاصَمَةِ عَنِ الْخَائِنِينَ، فَإِنَّ الْمُخَاصَمَةَ عَنِ الْمُبْطِلِ مِنَ الضَّلاَلِ، فَإِنَّ الضَّلَاَلَ نَوْعَانِ:
ضَلال فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِالْحَقِّ. وَضَلَاَلٌ فِي الْعَمَلِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِغَيْرِ مَا يَجِبُ. فَحَفِظَ اللَّهُ رَسُولُهُ عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الضَّلَاَلِ [كَمَا حَفِظَهُ عَنِ الضَّلَالِ فِي الْأَعْمَالِ] (٤) .
وَأَخْبَرُ أَنَّ كَيْدَهُمْ وَمُكْرَهُمْ يَعُودُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، كَحَالَةِ كُلِّ مَاكِرٍ، فَقَالَ: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ لكَونِ ذَلكَ الْمُكْرُ وَذَلِكَ التَّحَيُّلُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ فِيهِ مَقْصُودُهُمْ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ (٥) إِلا الْخَيْبَةُ وَالْحِرْمَانُ وَالْإِثْمُ وَالْخُسْرَانِ. وَهَذِهِ (٦) نِعْمَةُ كَبِيرَةً عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَتَضَمَّنُ النِّعْمَةُ بِالْعَمَلِ، وَهُوَ التَّوْفِيقُ لِفِعْلِ مَا يَجِبُ، وَالْعِصْمَةُ لَهُ عَنْ كُلِّ مُحْرِمٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِالْعِلْمِ فَقَالَ: ﴿وَأََنُزِلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: أَنَزِلُ عَلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَالذَّكَرُ الْحَكِيمُ الَّذِي فِيهِ تَبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَعِلِمَ الْأَوَّلِينِ وَالآخَِرَينَ.
وَالْحِكْمَةِ: إِمَّا السُّّنَّة التِي قدْ قَالَ فِيهَا بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ السُّّنَّة تَنْزِلُ عَلَيْهِ كَمَا يَنْزِلُ الْقُرْآنَ.
وَإِمَّا مَعْرِفَةُ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا، وَتَنْزِيلُ الْأَشْيَاءِ مَنَازِلُهَا وَتَرْتِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ وَهَذَا يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ .
ثم لمَ يَزِل يُوحِيُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَيَعْلِّمُهُ وَيُكْمِلُهُ حَتَّى ارْتَقَى مَقَامًا مِنْ الْعِلْمِ يَتَعَذَّرُ وُصُولُهُ عَلَى الْأَوَّلِينِ وَالْآخَرِينَ، ⦗٢٠٢⦘ فَكَان أَعْلِمُ الْخَلْقِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَأَجْمَعَهُمْ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَأَكْمَلُهُمْ فِيهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ُوَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ فَفَضْلهُ عَلَى الرَّسُولِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ (٧) .
وأَجْنَاسُ الْفَضْلُ الَّذِي قَدْ فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاؤُهَا (٨) وَلَا يَتَيَسَّرُ إحْصَاؤُهَا (٩) .
1 (١) في ب: ما يحذرون. (٢) في ب: الإرشاد. (٣) في ب: من. (٤) زيادة من هامش ب. (٥) في النسختين: له وقد غيرتها للتوافق مع ما سبق من الضمائر. (٦) في النسختين: وهذا. (٧) في ب: الخلق. (٨) في النسختين: استقصاؤه، وقد عدلت في ب، ولعل الصواب ما أثبت. (٩) في النسختين: إحصاؤه، وقد عدلت في ب، ولعل الصواب ما أثبت.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout