واعْلَمُّ أَنَّ النِّفَاقَ هُوَ: إِظْهَارُ الْخَيْرِ وَإِبْطَانُ الشَّرِّ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ النِّفَاقُ الِاعْتِقَادِيُّ، وَالنِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ، كَاَلَّذِي ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: "آيَةِ الْمُنَافِقِ ثَلَاتً: إِذَا حَدَثَ كَذِبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتَمِنَ خَانَ "وَفِي رِوَايَةٍ: "وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرٌ "
وَأَمَّا النِّفَاقُ الِاعْتِقَادِيُّ الْمُخْرِجُ عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَكُنْ النِّفَاقُ مَوْجُودًا قَبْلَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [مِنْ مَكَّةَ] إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعْدَ أَنْ هَاجِرَ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ "بَدْرٌ " (١) وَأَظْهَرُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَعَزَّهُمْ، ذَلُّ (٢) مَنْ فِي الْمَدِينَةِ مِمَّنْ لَمْ يُسَلِّمْ، فَأَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الْإِسْلَامَ خَوْفًا وَمُخَادَعَةً، وَلِتَحَقُّنِ دِمَاؤُهُمْ، وَتُسَلَّمُ أَمْوَالَهُمْ، فَكَانُوا بَيْنَ أَظْهَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسُوا مِنْهُمْ.
فَمَنْ لَطَفَ اللَّهُ بِالْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ جَلَّا أَحْوَالَهُمْ وَوَصْفِهُمْ بِأَوْصَافٍ يَتَمَيَّزُونَ بِهَا، لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِمْ الْمُؤْمِنُونَ، وَلْيَنْقَمِعُوا أَيْضًا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ فُجُورِهِمْ [قَالَ تَعَالَى]: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأَصْلِ النِّفَاقِ فَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿َوَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لأَنَّ الإِيمَانَ الْحَقِيقِيُّ، مَا تَوَاطَأَ عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ، وَإِنَّمَا هَذَا مُخَادَعَةٌ لِلَّهِ وَلِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْمُخَادَعَةَ: أَنْ يَظْهَرَ الْمُخَادِعُ لِمَنْ يُخَادِعُهُ شَيْئًا، وَيَبْطِنُ خِلَاَفُهُ لِكَيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَقْصُودِهِ مِمَّنْ يُخَادِعُ، فَهَؤُلَاَءِ الْمُنَافِقُونَ، سَلَكُوا مَعَ اللَّهِ وَعِبَادِهِ هَذَا الْمُسْلِكَ، فَعَادَ خِدَاعُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ (٣) هَذَا مِنْ الْعَجَائِبِ؛ لِأَنَّ الْمُخَادِعَ، إمَّا أَنْ يَنْتِجَ خِدَاعَهُ وَيَحْصُلُ لَهُ مَا يُرِيدُ (٤) أَوْ يُسَلِّمَ، لَاَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ عَادَ خِدَاعُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ (٥) يَعْمَلُونَ مَا يَعْمَلُونَ مِنَ الْمُكْرِ لِإِهْلَاكِ أَنْفُسِهِمْ وَإِضْرَارِهَا وَكَيَدِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَضَرَّرُ بِخِدَاعِهِمْ [شَيْئًا] وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنُونَ، لَا يَضُرُّهُمْ كَيَدِهِمْ شَيْئًا، فَلَا يَضُرُّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أَظْهَرَ الْمُنَافِقُونَ الْإِيمَانَ، فَسَلَّمْتْ بِذَلِكَ أَمْوَالَهُمْ وَحَقَنَتْ دِمَاؤُهُمْ، وَصَارَ كَيَدِهِمْ فِي نُحُورِهِمْ، وَحَصَلَ لَهُمْ بِذَلِكَ الْخَزِّيِّ وَالْفَضِيحَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْحُزْنِ الْمُسْتَمِرِّ بِسَبَبِ مَا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْقُوَّةِ وَالنُّصْرَةِ.
ثم فِي الْآخِرَةِ لَهُمْ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ الْمَوْجِعُ الْمُفَجِّعَ، بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَفُجُورِهِمْ، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ وَحَمَاقَتِهِمْ لَا يَشْعِرُونَ بِذَلِكَ.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ والْمُرَادُ بِالْمَرَضِ هُنَا: مَرَضُ الشَّكِّ وَالشُّبُهَاتِ وَالنَّفَاقُ، لِأَنَّ (٦) الْقَلْبُ يَعْرِضُ لَهُ مَرْضَانِ يَخْرُجَانِهِ عَنْ صِحَّتِهِ وَاعْتِدَالِهِ: مَرَضُ الشُّبُهَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَمَرَضُ الشَّهَوَاتِ الْمُرْدِيَّةِ، فَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالشُّكُوكُ وَالْبِدْعُ، كُلُّهَا مِنْ مَرَضِ الشُّبُهَاتِ، وَالزِّنَا، وَمَحَبَّةُ [الْفَوَاحِشِ وَ] الْمَعَاصِي وَفِعْلُهَا، مِنْ مَرَضِ الشَّهَوَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ وهِي شَهْوَةُ الزِّنَا، وَالْمُعَافَى مِنْ عُوْفِيٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْمَرْضِينِ، فَحَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ وَالْإِيمَانُ، وَالصَّبْرُ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ، فَرَفَلٌ فِي أَثْوَابِ الْعَافِيَةِ.
1 (١) في ب: ولا بعد الهجرة حتى كانت وقعة بدر. (٢) في ب: فذل. (٣) في ب: وهذا. (٤) في ب: ويحصل له مقصوده. (٥) في ب: عاد خداعهم على أنفسهم فكأنهم. (٦) في ب: وذلك أن.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout