يخبَرُ تَعَالَى، عَنْ قَوْلِ هَؤُلاَءِ الْمُتَمَرِّدِينَ، الَّذِينَ قَالُوا أَقْبَحُ الْمَقَالَةَ وَأَشْنَعُهَا، وَأَسْمَجَهَا، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مَا قَالُوهُ وَأَنَّهُ سَيَكْتُبُهُ وَيَحْفَظُهُ، مَعَ أَفْعَالِهِمْ الشَّنِيعَةَ، وَهُوَ: قَتْلُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ النَّاصِحِينَ، وَأَنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَشَدُّ الْعُقُوبَةَ، وَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ -بَدَلُ قَوْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءً- ﴿ذَوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ِ الْمُحَرِقِ النَّافِذَ مِنَ الْبَدَنِ إِلَى الأَفْئِدَةِ، وَأَنَّ عَذَابَهُمْ لَيْسَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ، فَإِنَّهُ ﴿َلَيْسَ بِظَلَاَمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فَإِنَّهُ مُنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْتُ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَخَازِيِّ وَالْقَبَائِحِ، الَّتِي أَوْجَبَتْ اسْتِحْقَاقُهُمْ الْعَذَابَ، وَحِرْمَانُهُمْ الثَّوَابَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ، تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ، وَذَكَرُوا مِنْهُمْ "فَنُحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ" مِنْ رُؤَسَاءِ عُلَمَاءَ الْيَهُودِ فِي الْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ ذَا الَّذِي يَقْرِضُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنَا﴾ٌ ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَا﴾ٌ قَالَ: -عَلِى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجْرَهُمِ- هَذِهِ الْمَقَالَةُ قَبْحَهُ اللَّهُ، فَذَكَرَهَا اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِبُدَعٍ مِنْ شَنَائِعِهِمْ، بَلْ قَدْ سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الشَّنَائِعِ مَا هُوَ نَظِيرُ ذَلِكَ، وَهُوَ: ﴿قَتْلُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ هَذَا الْقَيْدُ يُرَادُ بِهِ، أَنَّهُمْ تَجْرَأُوا عَلَى قَتْلِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِشِنَاعَتِهِ، لَاَ جَهْلًا وَضَلاَلًاً بَلْ تَمَرُّدًا وَعِنَادًا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout