هذه الآيات الكرِيمَةُ (١) فِيها فَضِيلَةُ (٢) الشهدَاءُ وَكَرَامَتُهُمْ، وَمَا مَنََّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَفِي ضِمْنِهَا تَسْلِيَةُ الْأَحْيَاءِ عَنْ قَتْلَاهُمْ وَتَعْزِيَتِهِمْ، وَتَنْشِيطِهِمْ لِلْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالتَّعَرُّضِ لِلشَّهَادَةِ، فَقَالَ: ﴿َوْلاَ تَحْسَبْنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ِ أَيْ: فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ الدِّينِ، قَاصِدَيْنِ بِذَلِكَ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ ﴿أَمْوَاتَا﴾ أَيْ: لَا يَخْطُرُ بِبَالِك وَحُسْبَانَكَ أَنَّهُمْ مَاتُوا وَفَقَدُوا، وَذَهَبَتْ عَنْهُمْ لَذَّةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالتَّمَتُّعُ بِزُهْرَتِهَا، ⦗١٥٧⦘ الّذِي يَحْذِرُ مِنْ فَوَاتِهِ، مِنْ جَبْنٍ عَنِ الْقِتَالِ، وَزَهِدَ فِي الشَّهَادَةِ. ﴿بَلْ﴾ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ أَعْظَمُ مِمَّا يَتَنَافَسُ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ. فَهُمْ ﴿أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ.
وَلَفْظ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَقْتَضِي عُلُوَّ دَرَجَتِهِمْ، وَقَرْبَهُمْ مِنْ رَبِّهِمَ، ﴿يَرْزَقُونَ﴾ مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ وَصْفَهُ، إِلَّاَّ مَنْ أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ هَذَا ﴿فَرْحَيْنِ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَيْ: مُغْتَبِطِينَ بِذَلِكَ، قَدْ قَرْتُ بِهِ عُيُونُهُمْ، وَفَرَّحَتْ بِهِ نُفُوسَهُمْ، وَذَلِكَ لِحَسْنِهِ وَكَثْرَتِهِ، وَعَظْمَتِهِ، وَكَمَالِ اللَّذَّةِ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَعَدَمِ الْمُنْغِصِ، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُمْ بَيْنَ نَعَيْمِ الْبَدَنِ بِالرِّزْقِ، وَنُعِيمِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ بِالْفَرْحِ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ: فَتَمَّ لَهُمْ (٣) النّعِيم والسّرُور، وَجَعَلُوا ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِاَلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أَيْ: يُبَشِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، بِوُصُولِ إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ، وَأَنَّهُمْ سِيْنَالُونَ مَا نَالُوا، ﴿أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاَ هُمْ يَحْزِنُونَ﴾ أَيْ: يَسْتَبْشِرُونَ بِزَوَالِ الْمَحْذُورِ عَنْهُمْ وَعَنْ إِخْوَانِهِمْ الْمُسْتَلْزِمِ كَمَالُ السُّرُورِ
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلِ﴾ أَيْ: يُهْنَىءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، بِأَعْظَمِ مُهْنَأَ بِهِ، وَهُوَ: نِعْمَةُ رَبِّهِمَ، وَفَضْلِهُ، وَإِحْسَانُهُ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بَلْ يُنَمِّيهِ وَيُشْكِرُهُ، وَيَزِيدُهُ مِنْ فَضْلِهِ، مَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ سَعْيُهُمْ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ إثْبَاتُ نُعَيْمِ الْبَرْزَخِ، وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ فِي أَعْلَى مَكَانٍ عِنْدَ رَبِّهِمَ، وَفِيهِ تُلَاقِي أَرْوَاحِ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَزِيَارَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَتَبْشِيرُ بَعْضِهِمْ بَعْضَا.
1 (١) في ب: الكريمات. (٢) في ب: فضل. (٣) في النسختين: فتم له.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout