هذا تسلية للمُؤْمِنِينَ، وَحَثَّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، وَالْفِعْلُ كَفِعْلِهِمْ، وَأَنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ كَانَ مُتَقَدِّمًا، لَمْ تَزِلْ سُنَّةُ اللَّهِ جَارِيَةً بِذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَكَأَيْنِ مِنْ نَبِيِّ﴾ٍ أَيْ: وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ ﴿قَاتِلٍ مَعَهُ رَبِيُونَ كَثِيرٌ﴾ أَيْ: جَمَاعَاتٍ كَثِيرُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ، الَّذِينَ قَدْ رَبَّتْهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِالإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَأَصَابَهُمْ قُتِلَ وَجِرَاحٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
﴿فَمَا وَهَنُوا لَمّا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعَفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أَيْ: مَا ضَعَفْتُ قُلُوبَهُمْ، وَلَاَ وَهُنْتُ أَبْدَانَهُمْ، وَلاَ اسْتَكَانُوا، أَيْ: ذَلُّوا لِعَدُوِّهِمْ، بَلْ صَبَرُوا وَثَبَتُوا، وَشَجَعُوا أَنْفُسَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاَللّهِ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
ثم ذَكَرَ قَوْلَهُمْ وَاسْتِنْصَارُهُمْ لِرَبِّهِمَ، فَقَالَ: ﴿َوْمَا كَانَ قَوْلُهُمْ﴾ أَيْ: فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ الصَّعْبَةُ ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبُنَا وَإِسْرَافُنَا فِي أَمْرِنَا﴾ وَالْإِسْرَافِ: هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ إِلَى مَا حَرَّمَ، عَلِمُوا أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْإِسْرَافَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْخُذْلَانِ، وَأَنَّ التَّخَلِّيَ مِنْهَا مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، فَسَأَلُوا رَبَّهُمْ مَغْفِرَتَهَا.
ثم إِنَّهُمْ لَمْ يَتَكُلُوا عَلَى مَا بَذَلُوا جَهِدَهُمْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ، بَلْ اعْتَمَدُوا عَلَى اللَّهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَثْبُتَ أَقْدَامَهُمْ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْأَعْدَاءِ الْكَافِرِينَ، وَأَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الصَّبْرِ وَتَرْكَ ضِدِّهُ، وَالتَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالِاسْتِنْصَارُ بِرَبِّهِمَ، لَاَ جَرْمَ أَنَّ اللَّهَ نَصْرَهُمْ، وَجَعَلَ لَهُمْ الْعَاقِبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ِ مِنَ النَّصْرِ وَالظُّفْرِ وَالْغَنِيمَةِ، ﴿ُوَحُِسِنِّ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ِّ وَهُوَ الْفَوْزُ بِرِضَا رَبِّهِمَ، وَالنَّعِيمُ الْمُقِيمُ الَّذِي قَدْ سَلَّمَ مِنْ جَمِيعِ الْمُنْكَدَاتِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّاَّ أَنَّهُمْ أَحْسِنُوا لَهُ الْأَعْمَالَ، فَجَازَاهُمْ بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ، فَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاَللَّهِ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ وَمُعَامَلَةِ الْخُلْقِ، وَمِنْ الْإِحْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ جِهَادِ الْأَعْدَاءِ، كَفِعْلِ هَؤُلَاَءِ الْمَوْصُوفِينَ (١) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
1 (١) في ب: "المؤمنين".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout