﴿وََلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ .
﴿وليُمْحَصُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْحُكْمِ أَنَّ اللَّهَ يَمْحَصُ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَعُيُوبَهِمْ، يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ وَالْقِتَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكَفِّرُ الذُّنُوبُ، وَيُزِيلُ الْعُيُوبَ، وَلْيَمْحَصَ اللَّهُ أَيْضًا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَيَتَخَلَّصُونَ مِنْهُمْ، وَيَعْرِفُونَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْمُنَافِقِ، وَمِنَ الْحُكْمِ أَيْضًا أَنَّهُ يَقَدِّرُ ذَلِكَ، لِيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَيْ: لِيَكُونَ سَبَبًا لِمُحَقِّهِمْ وَاسْتِئْصَالِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا انْتَصَرُوا، بَغْوًا، وَازْدَادُوا طُغْيَانًا إِلَى طُغْيَانِهِمَ، يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْمُعَاجَلَةَ بِالْعُقُوبَةِ، رَحْمَةً بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم قَالَ تَعَالَى: ﴿أُمْ حَسَبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمُ الصَّابِرِينَ﴾ هَذَا اسْتِفْهَامَ إِنْكَارِي، أَيْ: لَاَ تَظْنُّوا، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِكُمِّ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ مِنْ دُونِ مَشَقَّةٍ وَاحْتِمَالُ الْمَكَارِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ أَعْلَى الْمُطَالِبَ، وَأَفْضَلُ مَا بِهِ يَتَنَافَسُ الْمُتَنَافِسُونَ، وَكُلَّمَا عَظَّمَ الْمَطْلُوبَ عَظَمَتْ وَسِيلَتَهُ، وَالْعَمَلُ الْمُوصِلُ إلَيْهِ، فَلَا يُوصَلُ إِلَى الرَّاحَةِ إِلَّا بِتَرْكِ الرَّاحَةِ، وَلَا يُدْرِكُ النَّعِيمَ إِلَّا بِتَرْكِ النَّعِيمِ، وَلَكِنَّ مَكَارَهُ الدُّنْيَا الَّتِي تُصِيبُ الْعَبْدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ تَوْطِينِ النَّفْسِ لَهَا، وَتَمْرِينُهَا عَلَيْهَا وَمَعْرِفَةُ مَا تَئُولُ إِلَيْهِ، تَنْقَلِبُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَصَائِرِ مِنْحًا يُسِرُّونَ بِهَا، وَلَاَ يُبَالُونَ بِهَا، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
ثُمَّ وَبِخَهُمْ تَعَالَى عَلَى عَدَمِ صَبْرِهِمْ بِأَمْرٍ كَانُوا يَتَمَنَّونَهُ وَيُودُّونَ حُصُولَهُ، فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمِنُّونَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقُوهُ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِمَّنْ فَاتَهُ بَدْرٌ يَتَمَنَّونَ أَنْ يَحْضُرَهُمُ اللَّهُ مُشْهِدًا يَبْذُلُونَ فِيهِ جَهْدَهُمْ، قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] لَهُم: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أَيْ: رَأَيْتُمْ مَا تَمَنَّيْتُمْ بِأَعْيُنِكُمْ ﴿َوَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فَمَا بِالَكُمْ وَتَرَكَ الصَّبْرَ؟ هَذِهِ حَالَةً لَا تَلِيقُ وَلَا تُحْسُنُ، خُصُوصًا لِمَنْ تَمَنَّى ذَلِكَ، وَحَصَلَ لَهُ مَا تَمْنَّى، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْجَهْدِ، وَاسْتِفْرَاغُ الْوَسْعِ فِي ذَلِكَ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْنِيَّتِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثم قَالَ تَعَالَى:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout