يقول تَعَالَى مَشَجِعًا ⦗١٥٠⦘ لعِباده الْمُؤْمِنِينَ، وَمَقَوِيًا لِعَزَائِمِهِمْ وَمَنْهَضًا لَهُمْمِهِمْ: ﴿َوْلاَ تَهْنُّوا وَلَاَ تَحْزَنُوا﴾ أَيْ: وَلَاَ تَهْنُّوا وَتَضَعَّفُوا فِي أَبْدَانِكُمْ، وَلاَ تَحْزَنُوا فِي قُلُوبِكُمْ، عِنْدَمَا أَصَابَتُكُمْ الْمُصِيبَةَ، وَابْتَلِيْتُمْ بِهَذِهِ الْبَلْوَىِّ، فَإِنَّ الْحُزْنَ فِي الْقُلُوبِ، وَالْوَهْنُ عَلَى الْأَبْدَانِ، زِيَادَةٌ مُصِيبَةٌ عَلَيْكُمْ، وَعَوْنٌ لِعَدُوِّكُمْ عَلَيْكُمْ، بَلْ شَجَعُوا قُلُوبَكُمْ وَصَبَرُوهَا، وَادْفَعُوا عَنْهَا الْحُزْنَ وَتَصْلَبُوا عَلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، وَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَلِيقُ بِهِمْ الْوَهْنُ وَالْحِزْنَ، وَهُمُ الْأَعْلُونَ فِي الإِيمَانِ، وَرَجَاءِ نَصْرِ اللَّهِ وَثَوَابِهُ، فَالْمُؤْمِنُ الْمُتَيَقَّنُ مَا وَعَدَهُ اللَّهُ مِنْ الثَّوَابِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ لَا يَنْبَغِي مِنْهُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى]: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلُونَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ثم سَلاَهُمْ بِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْهَزِيمَةِ، وَبَيََّّن الْحُكْمُ الْعَظِيمَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿إِنْ يُمْسِسَكُمْ قَرَحَ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمُ قَرَحَ مِثْلَهُ﴾ فَأَنْتُمْ وَإِيَّاهُمْ قَدْ تَسَاوَيْتُمْ فِي الْقُرْحِ، وَلَكِنَّكُمْ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَاَ يَرْجُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَاَ يَرْجُونَ﴾ .
وَمِنَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ يُعْطِي اللَّهُ مِنْهَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرَ، وَالْبِرَّ وَالْفَاجِرُ، فَيُدَاوَلُ اللَّهُ الْأَيَّامَ بَيْنَ النَّاسِ، يَوْمَ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَيَوْمٌ لِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الدُّنْيَا مُنْقَضِيَةٌ فَانِيَةً، وَهَذَا بِخِلَافِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهَا خَالِصَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا.
﴿وَلْيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هَذَا أَيْضًا مِنَ الْحُكْمِ أَنَّهُ يَبْتَلِي اللَّهُ عِبَادَهُ بِالْهَزِيمَةِ وَالِابْتِلَاءَ، لِيَتَبَيَّنَ الْمُؤْمِنُ مِنْ الْمُنَافِقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَمَرَّ النَّصْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي جَمِيعِ الْوَقَائِعِ لِدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يُرِيدُهُ، فَإِذَا حَصَلَ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ بَعْضُ أَنْوَاعِ الِابْتِلَاءِ، تَبَيَّنَ الْمُؤْمِنُ حَقِيقَةَ الَّذِي يَرْغَبُ فِي الْإِسْلَامِ، فِي الضِّرَاءِ وَالسِّرَاءِ، وَالْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.
﴿وَيَتَّخَذُ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ بَعْضِ الْحُكْمِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَرْفَعِ الْمَنَازِلِ، وَلَا سَبِيلَ لِنَيْلِهَا إلَّا بِمَا يَحْصُلُ مِنْ وُجُودِ أَسْبَابِهَا، فَهَذَا مِنْ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ قِيَّض لَهُمْ مِنْ الْأَسْبَابِ مَا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ، لِيَنِيلَهُمْ مَا يُحِبُّونَ مِنْ الْمَنَازِلِ الْعَالِيَةِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، ﴿وَاَللَّهِ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَتَقَاعَدُوا عَنْ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِهِ، وَكَأَنَّ فِي هَذَا تَعْرِيضًا بِذَمِّ الْمُنَافِقِينَ، وَأَنَّهُمْ مُبْغِضُونَ لِلَّهِ، وَلِهَذَا ثَبَطُهُمْ عَنْ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِهِ.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُوا لَهُ عِدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدَيْنَ﴾ .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout