مِنْهَا: أَنَّ الْأَوْصَافَ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا أَهْلُ الْخَيْرِ، تَدُلُّ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ وَأَنَّهَا مَحْمُودَةٌ، وَالصِّفَاتُ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا أَهْلُ الشَّرِّ، تَدُلُّ عَلَى بُغْضِ اللَّهِ لَهَا وَأَنَّهَا مَذْمُومَةٌ.
وَمِنْهَا: مَا يُكْرَمُ اللَّهُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ بَيْنَ عِبَادِهِ، فَهُوَ ثَوَابٌ مُعَجَّلٌ، وَيُهَيِّنُ بِهِ أَعْدَاءُهُ مِنْ الْأَوْصَافِ الْقَبِيحَةِ، فَيَكُونُ عِقَابًا مُعَجَّلًا.
وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهِ حَثًّا لِلنُّفُوسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ وَمُنَافَسَتِهِمْ، وَتَنْشِيطُ الْعُمَّالِ عَلَى الْأَعْمَالِ بِبَيَانِ مَنْ عَمَلِهَا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ.
وَفِيهِ التَّرْهِيبُ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ الشَّرِّ، وَتَبْغِيضُ الْمَعَاصِي الَّتِي أَثَّرَتْ مَعَ عَامِلِيْهَا مَا أَثَّرَتَ.
وَمِنْهَا: الِاعْتِبَارُ بِصِفَاتِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ نَالَهُ مَا نَالَهُمْ.
وَقَدْ حَثَّ تَعَالَى عَلَى الِاعْتِبَارِ، فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ. وَحَقِيقَتِهِ: الْعُبُورُ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ، وَقِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى نَظِيرِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَبْدَ إذَا رَأَى (١) أَعْمَالُ أَهْلِ الْخَيْرِ وَعَجْزَهُ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا، أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ الْإِزْرَاءُ عَلَى نَفْسِهِ وَاحْتِقَارِهَا، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ صَلَاحِهِ، كَمَا أَنَّ رُؤْيَتَهُ نَفْسَهُ بِعَيْنِ الْإِعْجَابِ وَالتَّكَبُّرِ هُوَ عَيْنٌ فَسَادِهِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ.
وَمِنْهَا: ذِكَرَ صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَتَقْدِيسِهِ عَنْ النَّقَائِصِ، وَفِي ذَلِكَ فَوَائِدُ عَظِيمَةً:
مِنْهَا: أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ -وَهُوَ الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى- أَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَجَّلِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
فَالِاشْتِغَالُ بِفَهْمِهِ وَالْبَحْثِ التَّامُّ عَنْهُ، اشْتِغَالٌ بِأَعْلَى الْمُطَالِبِ، وَحُصُولِهِ لِلْعَبْدِ مِنْ أَشْرَفِ الْمَوَاهِبِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى تَدْعُو إلَى مَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ، وَخَوْفِهِ وَرِجَائِهِ، وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لَهُ، وَهَذَا عَيْنٌ سَعَادَةِ الْعَبْدِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَالتَّفَقُّهُ فِي فَهْمِ مَعَانِيهَا.
وَقَدْ اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، مِنْ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ وَتَوْضِيحِهَا، وَالتَّعَرُّفِ بِهَا إلَى عِبَادِهِ، وَتَعْرِيفُهِمْ لِنَفْسِهِ كَيْ يَعْرِفُوهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ وَيَعْرِفُوهُ، فَهَذَا هُوَ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْهُمْ، فَالِاشْتِغَالُ بِذَلِكَ اشْتِغَالٌ بِمَا خُلِقَ لَهُ الْعَبْدُ، وَتَرْكَهُ وَتَضْيِيعُهُ إهْمَالٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. وَقَبِيحٌ بِعَبْدٍ، لَمْ تَزَلْ نَعَمْ اللَّهُ عَلَيْهِ مُتَوَاتِرَةً، وَفَضَّلَهُ عَلَيْهِ عَظِيمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِرَبِّهِ مُعَرِضًا عَنْ مَعْرِفَتِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ أَحَدَ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، بَلْ أَفْضَلُهَا وَأَصْلُهَا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ، وَلَيْسَ الْإِيمَانُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: "آمَنْتْ بِاَللَّهِ" مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِرَبِّهِ.
بَلْ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ، أَنْ يَعْرِفَ الرَّبُّ الَّذِي يُؤْمَنُ بِهِ، وَيَبْذُلُ جَهْدُهُ فِي مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ دَرَجَةَ الْيَقِينِ، وَبِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ يَكُونُ إيمَانُهُ، فَكُلَّمَا ازْدَادَ مَعْرِفَةً بِرَبِّهِ ازْدَادَ إيمَانُهُ وَكُلَّمَا نَقْصَ، نَقْصً.
وَأَقْرَبُ طَرِيقٌ يُوَصِّلُهُ إلَى ذَلِكَ، تَدَبَّرْ صِفَاتُهُ وَأَسْمَائِهِ مِنْ الْقُرْآنِ.
وَالطَّرِيقِ فِي ذَلِكَ، إذَا مَرَّ بِهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، أَثْبَتَ (٢) لَهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَكَمَالُهُ وَعُمُومُهُ، وَنَزَّهُهُ (٣) عَمَّا يُضَادُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ تَعَالَى أَصْلُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، حَتَّى إنَّ الْعَارِفَ بِهِ حَقِيقَةَ الْمَعْرِفَةِ، يُسْتَدَلُّ بِمَا عُرِفَ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ، وَعَلَى مَا يَشْرَعُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا هُوَ مُقْتَضَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَأَفْعَالُهُ دَائِرَةٌ
1 (١) في ب: نظر إلى. (٢) في ب: أن يثبت. (٣) في ب: وينزهه.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout