يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ نَصْرَهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لِأَحَدٍ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيْ: جَانِبًا مِنْهُمْ وَرُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهِمْ، إمَّا بِقَتْلَ، أَوْ أَسْرَ، أَوْ اسْتِيلَاءً عَلَى بَلَدٍ، أَوْ غَنِيمَةِ مَالٍ، فَيَقْوَى بِذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ وَيَذَلُّ الْكَافِرُونَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقَاوَمَتَهُمْ وَمُحَارَبَتُهُمْ لِلْإِسْلَامِ تَتَأَلَّفُ مِنْ أَشْخَاصِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَرْضِهِمْ فَبِهَذِهِ الْأُمُورِ تَحْصُلُ مِنْهُمْ الْمُقَاوَمَةُ وَالْمُقَاتِلَةُ فَقَطَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ذَهَابٌ لِبَعْضِ قُوَّتِهِمْ، الْأَمْرُ الثَّانِي أَنْ يُرِيدَ الْكُفَّارَ بِقُوَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، طَمَعًا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَيُمَنُوا أَنْفُسَهُمْ ذَلِكَ، وَيُحْرِصُوا عَلَيْهِ غَايَةَ الْحِرْصِ، وَيَبْذَلُوا قَوَاهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَيُنْصُرُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وَيَرُدُّهُمْ خَائِبِينَ لَمْ يَنَالُوا مَقْصُودَهُمْ، بَلْ يَرْجِعُونَ بِخِسَارَةٍ وَغَمٍّ وَحِسْرَةٍ، وَإِذَا تَأَمَّلَتْ الْوَاقِعُ رَأَيْت نَصْرَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ دَائِرًا بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهُمَا إمَّا نَصَرَ عَلَيْهِمْ أَوْ خَذِلَ لَهُمْ. ⦗١٤٧⦘
لما جرى يَوْم "أَحُد" مَا جَرَى، وَجَرَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَصَائِبَ، رَفَعَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَتَهُ، فَشَجَّ رَأْسَهُ وَكَسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ، قَالَ "كَيْفَ يَفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ" وَجَعَلَ يَدْعُو عَلَى رُؤَسَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ نَهْيًا لَهُ عَنْ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ وَالطَّرْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَإِرْشَادُ الْخَلْقِ وَالْحِرْصِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الْأُمُورَ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيَضُلُّ مَنْ يَشَاءَ، فَلَا تَدَعُ عَلَيْهِمْ بَلْ أَمَرُهُمْ رَاجِعٌ إِلَى رَبِّهِمَ، إنْ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وَيُمَنْ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْلَامِ فِعْل، وَإِنْ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ إبْقَاءَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَعَدَمِ هِدَايَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَرُوهَا وَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ، فِعْل، وَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى هَؤُلَاَءِ الْمُعَيَّنِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَهَدَاهُمْ لِلْإِسْلَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَ اللَّهِ غَالِبٌ عَلَى اخْتِيَارِ الْعِبَادِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُ وَعَلَا قَدْرَهُ قَدْ يَخْتَارُ شَيْئًا وَتَكُونُ الْخِيْرَةُ وَالْمَصْلَحَةُ فِي غَيْرِهِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ فَغَيْرُهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى فَفِيهَا أَعْظَمُ رَدَّ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ بِالْأَنْبِيَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ هَذَا شِرْكٌ فِي الْعِبَادَةِ، نَقَصَ فِي الْعَقْلِ، يَتْرُكُونَ مِنَ الْأَمْرِ كُلِّهِ لَهُ وَيَدْعُونَ مَنْ لَا يَمْلِكُ مِنَ الْأَمْرِ مِثْقَالُ ذُرَّةً، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدَ، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ لِمَا ذَكِرَ تَعَالَى تَوْبَتُهُ عَلَيْهِمْ أَسْنَدُ الْفِعْلَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُمْ سَبَبًا مُوجِبًا لِذَلِكَ، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النِّعْمَةَ مَحْضُ فَضْلِهِ عَلَى عَبْدِهِ، مِنْ غَيْرِ سَبْقِ سَبَبٍ مِنْ الْعَبْدِ وَلَا وَسِيلَةَ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْعَذَابُ ذَكَرَ مَعَهُ ظُلْمُهُمْ، وَرَتَّبَهُ عَلَى الْعَذَابِ بِالْفَاءِ الْمُفِيدَةِ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَقَالَ ﴿َأَوْ يُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى كَمَالِ عَدْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، حَيْثُ وَضَعَ الْعُقُوبَةَ مَوْضِعَهَا، وَلَمْ يَظْلِمْ عَبْدَهُ بَلْ الْعَبْدُ هُوَ الَّذِي ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَلَمَّا نَفَى عَنْ رَسُولِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ قَرَّرَ مِنْ الْأَمْرِ لَهُ فَقَالَ ﴿ُوَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضَ﴾ِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْأَفْلَاكِ وَالْجَمَادَاتِ كُلِّهَا، وَجَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، الْكُلُّ مِلْكٌ لِلَّهِ مَخْلُوقُونَ مُدَبَّرُونَ مُتَصَرِّفٌ فِيهِمْ تَصَرُّفُ الْمَمَالِيكَ، فَلَيْسَ لَهُمْ مِثْقَالُ ذُرَّةٍ مِنْ الْمِلْكِ، وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ فَهُمْ دَائِرُونَ بَيْنَ مَغْفِرَتِهِ وَتَعْذِيبِهِ فَيُغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ بِأَنْ يَهْدِيَهُ لِلْإِسْلَامِ فَيَغْفِرُ شَرْكُهُ وَيُمَنْ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْعِصْيَانِ فَيُغْفِرُ لَهُ ذَنْبُهُ، ﴿وَيُعَذَّبُ مَنْ يَشَاءَ﴾ بِأَنْ يَكُلَهُ إلَى نَفْسِهِ الْجَاهِلَةِ الظَّالِمَةِ الْمُقْتَضِيَةَ لِعَمَلِ الشَّرِّ فَيَعْمَلُ الشَّرَّ وَيُعَذِّبُهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِاسْمَيْنِ كَرِيمَيْنِ دَالَيْنِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَعُمُومِ مَغْفِرَتِهِ وَسَعَةِ إِحْسَانِهِ وَعَمِيمِ إِحْسَانِهِ، فَقَالَ ﴿وَاَللَّهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهَا أَعْظَمُ بِشَارَةٍ بِأَنَّ رَحْمَتَهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ، وَمَغْفِرَتُهُ غَلَبَتْ مُؤَاخَذَتُهُ، فَالْآيَةُ فِيهَا الْإِخْبَارُ عَنْ حَالَةِ الْخَلْقِ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَذِّبُهُ، فَلَمْ يَخْتَمْهَا بِاسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا دَالٌّ عَلَى الرَّحْمَةِ، وَالثَّانِي دَالٌّ عَلَى النُّقْمَةِ، بَلْ خَتْمُهَا بِاسْمَيْنِ كِلَيْهِمَا يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ، فَلَهُ تَعَالَى رَحْمَةً وَإِحْسَانٌ سَيُرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ بَشْرٍ، وَلَا يُدْرِكُ لَهَا وَصْفٌ، فَنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَتَغَمَّدَنَا وَيَدْخُلْنَا بِرَحْمَتِهِ فِي عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.
تِمُّ السَّفَرَ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ الْمُبَارَكِ بِيُسْرٍ مِنْ اللَّهِ وَإِعَانَةً، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ وَالثَّنَاءَ، وَأَسْأَلُهُ الْمَزِيدُ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرْمِهُ وَإِحْسَانِهِ، وَيَلِيهِ الْمُجْلِدُ الثَّانِي، أَوَّلُهُ قَوْلُ الْبَارِي جَلَّ جَلَاَلُهُ ﴿ِيًّا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ الْآيَةَ وَذَلِكَ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةٍ ١٣٤٣ ثلاث وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاَثُ مِئَةَ وَأَلْفٌ مِنْ الْهِجْرَةِ النُّبَوِيَّةِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا بِقَلَمٍ جَامِعُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الْمَجْلِدُ الثَّانِي مِنْ تَيْسِيرِ الْكَرِيمِ الْمَنَانِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الرَّحْمَنِ لِجَامِعِهِ الْفَقِيرِ إلَى اللَّهِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِيٍّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ آمِينَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينَهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورٍ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مَضِلَ لَهُ، وَمَنْ يُضَلِّلُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا قَالَ تَعَالَى:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout