لما بَيِّنَ تَعَالَى الْفُرْقَةُ الْفَاسِقَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَيْنَ أَفْعَالِهِمْ وَعُقُوبَاتِهِمْ، ⦗١٤٤⦘
بين هاهنا الأُمّةُ الْمُسْتَقِيمَةَ، وَبَيْنَ أَفْعَالِهَا وَثَوَابِهَا، فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَهُ، بَلْ بَيْنَهُمْ مِنْ الْفَرْقِ مَا لَاَ يُمْكِنُ وَصْفُهُ، فَأَمَّا تِلْكَ الطَّائِفَةُ الْفَاسِقَةَ فَقَدْ مَضَى وَصْفُهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاَءِ الْمُؤْمِنُونَ، فَقَالَ تَعَالَى مِنْهُمْ ﴿أَمَةٌ قَائِمَةٌ﴾ أَيْ: مُسْتَقِيمَةً عَلَى دِينِ اللَّهِ، قَائِمَةٌ بِمَا أَلْزَمَهَا اللّهُ بِهِ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيَامُهَا بِالصَّلَاةِ ﴿َيَتَلُونَ آيَاتُ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ وَهَذَا بَيَانٌ لِصَلَاتِهِمْ فِي أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَطُولِ تَهَجُّدِهِمْ وَتِلَاوَتِهُمْ لِكِتَابِ رَبِّهِمْ وَإِيثَارِهِمْ الْخُضُوعُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَهُ.
﴿يُؤْمِنُونَ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ﴾ أَيْ: كَإِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا يُوجِبُ لَهُمْ الإِيمَانَ بِكُلِّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ، وَكُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللّهُ، وَخَصّ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ لِأَنَّ الإِيمَانَ الْحَقِيقِيّ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ يَحِثُّ الْمُؤْمِنُ بِهِ عَلَى مَا يُقِرُّ بِهِ إِلَى اللّهِ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَتَرَكَ كُلِّ مَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ فَحَصَلَ مِنْهُمْ تَكْمِيلُ أَنْفُسِهِمْ بِالإِيمَانِ وَلَوَازِمِهِ، وَتَكْمِيلِ غَيْرِهِمْ بِأَمْرِهِمْ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَنَهْيِهِمْ عَنْ كُلِّ شَرٍّ، وَمِنْ ذَلِكَ حَثّهُمُ أَهْلُ دِينِهِمْ وَغَيْرِهِمْ عَلَى الإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسلّم، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِالْهَمَمِ الْعَالِيَةِ ﴿َو﴾ أَنَّهُمْ ﴿َيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَيْهَا فَيَنْتَهِزُونَ الْفُرْصَةَ فِيهَا، وَيَفْعَلُونَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ إِمْكَانِهَا، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِفَوَائِدِهِ وَحُسْنِ عَوَائِدِهِ، فَهَؤُلَاَءِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللّهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَفْعَالِ الْجَلِيلَةِ ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ يَدْخُلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ وَيَتَغَمَّدُهُمْ بِغُفْرَانِهِ وَيُنِيلُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَأَنَّهُمْ مَهْمَا فَعَلُوا ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ قَلِيلًاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا ﴿فَلَنْ يَكَفِّرُوهُ﴾ أَيْ: لَنْ يَحَرِّمُوهُ وَيَفُوتُوا أَجْرَهُ، بَلْ يُثِيِّبُهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْمَلُ ثَوَابٍ، وَلَكِنَّ الأَعْمَالَ ثَوَابَهَا تَبَعٌ لِمَا يَقُومُ بِقَلْبِ صَاحِبِهَا مِنْ الإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَلِهَذَا قَالَ ﴿وَاَللّهِ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينِ﴾ .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout