يُخْبَرُ تَعَالَى عَنْ شَرَفِ هَذَا الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وَضَعَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ، يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ لِرَبِّهِمْ فَتَغْفِرُ أَوْزَارُهُمْ، وَتُقَالُ عِثَارُهُمْ، وَيَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ مَا يُنَالُونَ بِهِ رَضِىَ رَبُّهُمْ وَالْفَوْزُ بِثَوَابِهِ وَالنَّجَاةِ مِنْ عِقَابِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مُبَارِكَا﴾ أَيْ: فِيهِ الْبَرَكَةُ الْكَثِيرَةُ فِي الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لْيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ِّ ﴿ُوَهْدَى لِلْعَالَمِينَ﴾ وَالْهُدَى نَوْعَانِ: هُدًى فِي الْمَعْرِفَةِ، وَهُدَى فِي الْعَمَلِ، فَالْهُدَى فِي الْعَمَلِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعَبُّدَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، وَأَمَّا هُدَى الْعِلْمِ فَبِمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِسَبَبِهِ مِنْ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ بِسَبَبِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿َفِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتِ﴾ أَيْ: أَدِلَّةً وَاضِحَاتٍ، وَبَرَاهِينَ قَاطِعَاتٌ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمُطَالِبُ الْعَالِيَةِ، كَالْأَدِلَّةِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكَمَالِ عِلْمِهِ وَسْعَةِ جُودِهِ، وَمَا مََنَّ بِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، فَمِنَ الْآيَاتِ ⦗١٣٩⦘ ﴿مَقَام إِبْرَاهِيمُ﴾ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَقَامُ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ الْحَجَرُ الَّذِي كَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ الْخَلِيلُ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ لَمَّا ارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ، وَكَانَ مُلْصِقًا فِي جِدَارِ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَضَعَهُ فِي مَكَانِهِ الْمَوْجُودِ فِيهِ الْآنَ، وَالْآيَةُ فِيهِ قِيلَ أَثَرُ قَدَمِيْ إبْرَاهِيمَ، قَدْ أَثَّرَتَ فِي الصَّخْرَةِ وَبَقِيَ ذَلِكَ الْأَثَرُ إلَى أَوَائِلِ هَذِهِ الْأَمَةِ، وَهَذَا مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَقِيلَ إنَّ الْآيَةَ فِيهِ مَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَكْرِيمِهِ وَتَشْرِيفِهِ وَاحْتِرَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ يُرَادُ بِهِ مُقَامَاتُهُ فِي مَوَاضِعِ الْمَنَاسِكِ كُلِّهَا، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْحَجِّ وَمُفْرَدَاتِهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٍ، كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَمَوَاضِعِهَا، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَالرَّمْيُ، وَسَائِرِ الشَّعَائِرِ، وَالْآيَةُ فِي ذَلِكَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ تَعْظِيمِهَا وَاحْتِرَامِهَا وَبَذْلِ نَفَائِسِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ فِي الْوُصُولِ إلَيْهَا وَتَحْمِلُ كُلُّ مَشَقَّةٍ لِأَجْلِهَا، وَمَا فِي ضِمْنِهَا مِنْ الْأَسْرَارِ الْبَدِيعَةِ وَالْمَعَانِي الرَّفِيعَةِ، وَمَا فِي أَفْعَالِهَا مِنْ الْحُكْمِ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي يُعْجِزُ الْخَلْقُ عَنْ إحْصَاءِ بَعْضِهَا، وَمِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ فِيهَا أَنَّ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا شَرْعًا وَقَدْرًا، فَالشَّرْعُ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ إبْرَاهِيمَ ثُمَّ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ بِاحْتِرَامِهِ وَتَأْمِينٌ مِنْ دَخَلَهُ، وَأَنْ لَا يُهَاجَ، حَتَّى إنَّ التَّحْرِيمَ فِي ذَلِكَ شَمِلَ صُيُودَهَا وَأَشْجَارِهَا وَنَبَاتِهَا، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ جَنَى جِنَايَةً خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ أَنَّهُ يَأْمَنُ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ، وَأَمَّا تَأْمِينُهَا قَدْرًا فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِقَضَائِهِ وَقَدْرِهُ وَضِعَ فِي النُّفُوسِ حَتَّى نُفُوسَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْكَافِرِينَ بِرَبِّهِمْ احْتِرَامُهُ، حَتَّى إنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ مَعَ شِدَّةِ حَمَّيَّتِهِمْ وَنَعْرَتِهِمْ وَعَدَمِ احْتِمَالِهِمْ لِلضَّيمِ يَجِدُ أَحَدُهُمْ قَاتَلَ أَبِيهِ فِي الْحَرَمِ فَلَا يُهَيِّجُهُ، وَمَنْ جَعَلَهُ حَرَّمًا أَنَّ كُلَّ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعَاقِبَهُ عُقُوبَةً عَاجِلَةً، كَمَا فَعَلَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رَأَيْت لِابْنِ الْقَيِّمِ هَاهُنَا كَلَامًا حَسَنًا أَحْبَبَتْ إيرَادُهُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ قَالَ فَائِدَةٌ: ﴿ُوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ "حَجَّ الْبَيْتُ"مُبْتَدَأُ وَخَبَرُهُ فِي أَحَدِ الْمَجْرُورِيْنِ قَبْلَهُ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: "عَلَى النَّاسِ"لأَنَّهُ وُجُوبٌ، وَالْوُجُوبُ يَقْتَضِي"عَلَى"وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: "وَلِلَّهِ"لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنُ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ، وَيُرَجَّحُ هَذَا التَّقْدِيرُ أَنَّ الْخَبَرَ مَحَطُّ الْفَائِدَةِ وَمَوْضِعُهَا، وَتَقْدِيمُهُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، فَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ"وَلِلَّهُ عَلَى النَّاسِ". وَيُرَجِّحُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ بِأَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ: "حَجَّ الْبَيْتُ عَلَى النَّاسِ"أَكْثَرِ اسْتِعْمَالًا فِي بَابِ الْوُجُوبِ مِنْ أَنْ يُقَالَ: "حَجُّ الْبَيْتُ لِلَّهِ"أَيْ: حَقٌّ وَاجِبٌ لِلَّهِ، فَتَأَمَّلْهُ. وَعَلَى هَذَا فَفِي تَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ بِخَبَرِ فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمُوجِبِ لِلْحَجِّ، فَكَانَ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ مِنْ ذِكْرِ الْوُجُوبِ، فَتَضَمَّنَتْ الْآيَةُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ: أَحَدُهَا: الْمُوجِبُ لِهَذَا الْفَرْضِ فَبَدَأَ بِذِكْرِهِ، وَالثَّانِي: مُؤَدِّي الْوَاجِبِ وَهُوَ الْمُفْتَرِضُ عَلَيْهِ وَهُمْ النَّاسُ، وَالثَّالِثُ: النِّسْبَةُ، وَالْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ إيجَابًا وَبِهِمْ وُجُوبًا وَأَدَاءً، وَهُوَ الْحَجُّ.
وَالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الِاسْمَ الْمَجْرُورَ مِنْ حَيْثُ كَانَ اسْمًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَجَبَ الِاهْتِمَامُ بِتَقْدِيمِهِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ هَذَا الْوَاجِبِ الَّذِي أَوْجَبَهُ، وَتَخْوِيفًا مِنْ تَضْيِيعِهِ، إذْ لَيْسَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِمَثَابَةِ مَا يُوجِبُهُ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "مَنْ"فهِي بَدَل، وَقَدْ اسْتَهْوَى طَائِفَةً مِنْ النَّاسِ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا فَاعِلٌ بِالْمَصْدَرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَهَذَا الْقَوْلُ يُضْعُفُ مِنْ وُجُوهٍ، مِنْهَا: أَنَّ الْحَجَّ فَرْضَ عَيْنٍ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ مَا ذَكَرَهُ لِأَفْهَمَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، لِأَنَّهُ إذَا حَجَّ الْمُسْتَطِيعُونَ بَرِئَتْ ذَمَّمَ غَيْرُهُمْ، لِأَنَّ الْمَعْنَى يُؤَلُّ إلَى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مُسْتَطِيعُهُمْ، فَإِذَا أَدَّى الْمُسْتَطِيعُونَ الْوَاجِبَ لَمْ يَبْقَ وَاجِبًا عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِينَ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ الْحَجُّ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، حَجَّ الْمُسْتَطِيعُونَ أَوْ قَعَدُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عُذْرٌ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ بِعَجْزِهِ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ، فَلَا يُؤَاخِذُهُ بِهِ وَلَا يُطَالِبُهُ بِأَدَائِهِ، فَإِذَا حَجَّ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ حَجُّ الْمُسْتَطِيعِينَ بِمُسْقِطِ الْفَرْضِ عَنْ الْعَاجِزِينَ، وَإِذَا أَرَدْتْ زِيَادَةُ إيضَاحٍ، فَإِذَا قُلْت: وَاجِبٌ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ النَّاحِيَةِ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْهُمْ الطَّائِفَةَ الْمُسْتَطِيعُونَ لِلْجِهَادِ، فَإِذَا جَاهَدَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ انْقَطَعَ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِهِمْ، وَإِذَا قُلْت وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ كُلُّهُمْ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْهُمْ الْمُسْتَطِيعُ، كَانَ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِالْجَمِيعِ وَعُذْرِ الْعَاجِزِ بِعَجْزِهِ، فَفِي نَظْمِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ دُونَ أَنْ يُقَالَ: وَلِلَّهِ حَجَّ الْبَيْتِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِينَ، هَذِهِ النُّكْتَةُ الْبَدِيعَةُ فَتَأَمَّلْهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ إضَافَةَ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ إذَا وُجِدَ أَوْلَى مِنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمَفْعُولِ وَلَا يَعْدِلُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ إلَّا بِدَلِيلٍ مَنْقُولٍ، فَلَوْ كَانَ مَنْ هُوَ الْفَاعِلُ لِأُضِيفِ الْمَصْدَرِ إلَيْهِ فَكَانَ يُقَالُ: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجّ مََنْ اسْتَطَاعَ"وَحَمَلُهُ عَلَىٌّ ⦗١٤٠⦘ باب"يَعْجِبُنِي ضَرَبَ زَيْدٍ عِمْرًا"وَفِيمَا يُفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَفَاعِلُهُ الْمُضَافُ إلَيْهِ بِالْمَفْعُولِ وَالظَّرْفِ حُمِلٌ عَلَى الْمَكْتُوبِ الْمَرْجُوحِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ (قَتَلَ أَوْلَادُهُمْ شُرَكَائُهُمْ)، فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ"مِنَ"بَدَلِ بَعْضٍ مِنْ كُلِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى"النَّاسِ"كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْهُمْ، وَحَذْفَ هَذَا الضَّمِيرَ فِي أَكْثَرِ الْكَلَامِ لَا يُحْسُنُ، وَحَسَّنَهُ هَاهُنَا أُمُورٌ مِنْهَا: أَنَّ"مِنْ"وَاقِعَةً عَلَى مَنْ لَا يَعْقِلُ، كَالِاسْمِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ فَارْتَبِطَتْ بِهِ، وَمِنْهَا: أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ بِمَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ الِاسْمِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَتْ الصِّلَةُ أَعَمُّ لِقُبْحِ حَذْفِ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ إذَا قُلْت: رَأَيْتُ إِخْوَتُكَ مِنْ ذَهَبٍ إِلَى السُّوقِ مِنْهُمْ، كَانَ قَبِيحًا، لِأَنَّ الذَّاهِبَ إلَى السُّوقِ أَعَمُّ مِنْ الْإِخْوَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْت: الْبِسُّ الثِّيَابَ مَا حَسَنَ وَجَمَلً، يُرِيدُ مِنْهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الضَّمِيرَ كَانَ أَبْعَدَ فِي الْجَوَازِ، لِأَنَّ لَفْظَ مَا حَسَنَ أَعَمُّ مِنْ الثِّيَابِ.
وَبَاب الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ أَنْ يَكُونَ أَخَصُّ مِنْ الْمُبْدَلِ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ أَعَمُّ وَأَضَفَتْهُ إلَى ضَمِيرٍ أَوْ قَيِّدَتِهِ بِضَمِيرِ يَعُودُ إلَى الْأَوَّلِ ارْتَفَعَ الْعُمُومُ وَبَقِيَ الْخُصُوصُ، وَمِمَّا حَسَنَ حَذْفُ الْمُضَافِ فِي هَذِهِ أَيْضًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ طُولُ الْكَلَامِ بِالصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ.
وَأَمَّا الْمَجْرُورُ مِنْ قَوْلِهِ"للَّهِ"فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ سَبِيلٍ، كَأَنَّهُ نَعْتْ نَكِرَةً قَدِّمَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ فِي مَوْضِعِ النَّعْتِ لِسَبِيلٍ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِسَبِيلٍ، فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْفِعْلِ؟ قِيلَ: السَّبِيلُ لَمَّا كَانَ عِبَارَةُ هَاهُنَا عَنْ الْمُوَصِلِ إلَى الْبَيْتِ مِنْ قُوتٍ وَزَادَ وَنَحْوِهِمَا، كَانَ فِيهِ رَائِحَةُ الْفِعْلِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ السَّبِيلُ الَّذِي هُوَ الطَّرِيقُ، فَصَلَحَ تَعَلُّقُ الْمَجْرُورِ بِهِ، وَاقْتَضَى حُسْنَ النَّظْمِ وَإِعْجَازِ اللَّفْظِ تَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُهُ التَّأْخِيرَ، لِأَنَّهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْبَيْتِ، وَالْبَيْتِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ الِاعْتِنَاءُ، وَهُمْ يُقَدَّمُونَ فِي كَلَامِهِمْ مَا هُمْ بِهِ أَهَمُّ وَبِبَيَانِهِ أَعْنِي هَذَا تَقْرِيرُ السُّهَيْلِيِّ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ الصَّوَابُ فِي مُتَعَلِّقِ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ وَجْهٌ آخَرُ أَحْسَنُ مِنْ هَذَيْنِ، وَلَا يَلِيقُ بِالْآيَةِ سِوَاهُ، وَهُوَ الْوُجُوبُ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ"عَلَى النَّاسِ"أَيِّ: يَجِبُ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ الْحَجِّ، فَهُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلَّهِ، وَأَمَّا تَعْلِيقُهُ بِالسَّبِيلِ وَجَعَلَهُ حَالًّا مِنْهَا، فَفِي غَايَةِ الْبُعْدِ فَتَأَمَّلْهُ، وَلَا يَكَادُ يَخْطُرُ بِالْبَالِ مِنْ الْآيَةِ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيْك الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ.
وَمِنْ فَوَائِدِ الْآيَةِ وَأَسْرَارُهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ إذَا ذَكَرَ مَا يُوجِبُهُ وَيَحَرُمُهُ يَذْكُرُهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَبِلَفْظِ الْإِيجَابِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّحْرِيمِ نَحْوُ ﴿ُكْتُبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ُ ﴿ُحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ﴾ ﴿قُلْ تَعَالَوا أَتَلَّ مَا حَرُمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ وَفِي الْحَجِّ أَتَى بِهَذَا اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى تَأَكُّدِ الْوُجُوبِ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا أَنَّهُ قَدَّمَ اسْمُهُ تَعَالَى وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ لَامَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالِاخْتِصَاصُ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا حَرْفٌ عَلَى أَبْدَلَ مِنْهُ أَهْلُ الِاسْتِطَاعَةِ، ثُمَّ نَكَرَ السَّبِيلُ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ إيذَانًا بِأَنَّهُ يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى أَيِّ: سَبِيلٍ تَيَسَّرَتْ، مِنْ قُوتٍ أَوْ مَالٍ، فَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِحُصُولِ مَا يُسَمَّى سَبِيلًا ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِأَعْظَمِ التَّهْدِيدِ بِالْكُفْرِ فَقَالَ ﴿َوْمَنْ كَفَرَ﴾ أَيْ: لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ هَذَا الْوَاجِبَ وَتَرْكَهُ ثُمَّ عَظَّمَ الشَّأْنَ وَأَكَدَ الْوَعِيدَ بِإِخْبَارِهِ مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى حَجّ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا فِي ذِكْرِ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ هُنَا مِنْ الْإِعْلَامِ بِمُقْتِهِ لَهُ وَسَخَطَهُ عَلَيْهِ وَإِعْرَاضُهُ بِوَجْهِهِ عَنْهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ التَّهْدِيدِ وَأَبْلَغَهُ، ثُمَّ أَكَدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اسْمِ"الْعَالَمِينَ"عُمُومَا، وَلَمْ يُقُلْ: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ غَنِيًّا عَنْ الْعَالَمِينَ كُلُّهُمْ فَلَهُ الْغِنَى الْكَامِلُ التَّامُّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، فَكَانَ أَدَلَّ لِعَظْمِ مُقَّتِهِ لِتَارِكِ حَقِّهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَكَدَ هَذَا الْمَعْنَى بِأَدَاةِ"إنَّ"الدَّالَّةِ عَلَى التَّأْكِيدِ، فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَوْجُهٍ تَقْتَضِي تَأَكُّدَ هَذَا الْفَرْضِ الْعَظِيمَ.
وَتَأَمَّلْ سِرُّ الْبَدَلِ فِي الْآيَةِ الْمُقْتَضِي لِذِكْرِ الْإِسْنَادِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِإِسْنَادِهِ إلَى عُمُومِ النَّاسِ، وَمَرَّةً بِإِسْنَادِهِ إلَى خُصُوصِ الْمُسْتَطِيعِينَ، وَهَذَا مِنْ فَوَائِدِ الْبَدَلِ تَقْوِيَةُ الْمَعْنَى وَتَأْكِيدِهِ بِتَكَرُّرِ الْإِسْنَادِ وَلِهَذَا كَانَ فِي نِيَّةِ تَكْرَارِ الْعَامِلِ وَإِعَادَتِهِ.
ثُمَّ تَأَمَّلْ مَا فِي الْآيَةِ مِنْ الْإِيضَاحِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ وَالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ، وَكَيْفَ تَضَمَّنُ ذَلِكَ إيرَادُ الْكَلَامِ فِي صُورَتَيْنِ وَخَلَّتَيْنِ، اعْتِنَاءً بِهِ وَتَأْكِيدٌ لِشَأْنِهِ، ثُمَّ تَأَمَّلْ كَيْفَ افْتَتَحَ هَذَا الْإِيجَابُ بِذِكْرِ مَحَاسِنِ الْبَيْتِ وَعَظْمِ شَأْنِهِ بِمَا تَدَعُوا النُّفُوسَ إلَى قَصْدِهِ وَحَجِّهُ وَانٍ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ مِنْهَا، فَقَالَ: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتِ﴾ إلَخْ، فَوَصَفَهُ بِخَمْسِ صِفَاتٍ: أَحَدُهَا كَوْنُهُ أَسْبَقَ بُيُوتِ الْعَالَمِ وَضِعَ فِي الْأَرْضِ، الثَّانِي: أَنَّهُ مُبَارَكً، وَالْبَرَكَةُ كَثْرَةُ الْخَيْرِ وَدَوَامُهُ، وَلَيْسَ فِي بُيُوتِ الْعَالَمِ أَبْرَك مِنْهُ وَلَا أَكْثَرَ خَيْرًا وَلَا أَدُومَ وَلَا أَنْفَعُ لِلْخَلَائِقِ، الثَّالِثَ: أَنَّهُ هَدَى، وَوَصْفَهُ بِالْمَصْدَرِ نَفْسَهُ مُبَالَغَةً، حَتَّى كَأَنَّهُ نَفْسَ الْهُدَى، الرَّابِعَ مَا تَضْمَنُ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ آيَةً، الْخَامِسِ: الْأَمْنُ الْحَاصِلُ لِدَاخِلِهِ، وَفِي وَصْفِهِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ دُونَ إيجَابِ قَصْدِهِ مَا يَبْعَثُ النُّفُوسَ عَلَى حَجِّهِ وَإِنْ شَطَّتْ بِالزَّائِرِينَ الدِّيَارَ وَتَنَاءَتْ بِهِمْ الْأَقْطَارَ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِصَرِيحِ الْوُجُوبِ الْمُؤَكَّدِ بِتِلْكَ التَّأْكِيدَاتِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ لِهَذَا الْبَيْتِ الْعَظِيمِ، وَالتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ، وَالتَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ، وَالرِّفْعَةُ مِنْ قَدْرِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرَفٌ إلَّا إضَافَتُهُ إيَّاهُ إلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَطَهُرَ بَيْتِي﴾ٍ لِكَفَى بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ فَضْلًا وَشَرْفًا، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ هِيَ الَّتِي أَقْبَلَتْ بِقُلُوبِ الْعَالَمِينَ إلَيْهِ، وَسَلَبَتْ نُفُوسَهُمْ حِبَالُهُ وَشَوْقًا إلَى رُؤْيَتِهِ، فَهَذِهِ الْمَثَابَةُ لِلْمُحَبِّينَ يَثُوبُونَ إلَيْهِ وَلَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطْرًا أَبَدًا، كُلَّمَا ازْدَادُوا لَهُ زِيَارَةَ ازْدَادُوا لَهُ حَبًّا وَإِلَيْهِ اشْتِيَاقًا، فَلَا الْوِصَالُ يُشْفِيهِمْ وَلَا الْبِعَادَ يُسَلِّيهِمْ، كَمَا قِيلَ:
⦗١٤١⦘ أَطَوف بِهِ وَالنَّفْسُ بَعْدَ مَشْوقَةٍ ... إلَيْه وَهَلْ بَعْدَ الطَّوَافِ تَدَانِي
وَأَلْثِمَ مِنْهُ الرُّكْنُ أَطْلَبَ بِرَدِّ مَا ... بِقَلْبِي مِنْ شَوْقٍ وَمِنْ هَيْمَانِ
فَوَاَللَّهِ مَا ازْدَادَ إلَّا صَبَابَةً ... وَلَا الْقَلْبُ إِلَّا كَثْرَةَ الْخُفْقَانَ
فِيَا جَنَّةُ الْمَأْوَى وَيَا غَايَةُ الْمِنَىِّ ... وَيَا مَنِّيَتِي مِنْ دُونِ كُلِّ أَمَانَ
أَبَتِ غَلَبَاتِ الشَّوْقِ إِلَّا تَقَرُّبًا ... إِلَيْك فَمَا لِي بِالْبُعَادِ يُدَانِ
وَمَا كَانَ صَدَّى عَنْكَ صَدَّ مَلَالَةَ ... وَلِي شَاهِدٌ مِنْ مُقِلَّتِي وَلِسَانِ
دَعَوْتِ اصْطِبَارِيّ عَنْك بَعْدَك وَالْبَكَا ... فَلَبِى الْبُكَا وَالصَّبْرُ عَنْكَ عَصَانِي
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمُحَبَّ إِذَا نَأَى ... سَيبلى هَوَاهُ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ
وَلَوْ كَانَ هَذَا الزَّعْمُ حَقًّا لَكَانَ ذَا ... دَوَاءُ الْهَوَىُّ فِي النَّاسِ كُلُّ زَمَانَ
بَلِى إِنَّهُ يُبْلَى وَالْهَوَى عَلَىٌّ ... حَاله لَمْ يَبْلِهُ الْمَلْوَانُ
وَهَذَا مُحِبٌّ قَادَهُ الشَّوْقُ وَالْهَوَىُّ ... بِغَيْرِ زَمَامٍ قَائِدٍ وَعَنَانَ
أَتَاكَ عَلَى بَعْدِ الْمَزَارِ وَلَوْ وَنْتَ ... مَطِيَتُهُ جَاءَتْ بِهِ الْقِدْمَانِ
انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout