وهذا رد عَلَى الْيَهُودِ بِزَعْمِهِمْ الْبَاطِلُ أَنَّ النَّسْخَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَكَفَرُوا بَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّم، لِأَنَّهُمَا قَدْ أَتَيَا بِمَا يُخَالِفُ بَعْضَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فَمِنْ تَمَامِ الْإِنْصَافِ فِي الْمُجَادَلَةِ إِلْزَامَهُمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ التَّوْرَاةُ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ مُحَلَّلَةٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿إِلَّا مَا حَرُمَ إِسْرَائِيلُ﴾ وَهُوَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿َعَلَى نَفْسِهِ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِمَا أَصَابَهُ عِرَقَ النّسَا نَذْرٌ لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيَحْرِمَنَّ أَحَبُّ الْأَطْعِمَةِ عَلَيْهِ، فَحَرُمَ فِيمَا يَذْكُرُونَ لُحُومِ الإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا وَتَبِعَهُ بَنُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، ثُمَّ نَزَلَ فِي التَّوْرَاةِ أَشْيَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ غَيْرُ مَا حَرُمَ إِسْرَائِيلُ مِمَّا كَانَ حَلَاَلًاً لَهُمْ طَيِّبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿َفَبِظَلَمْ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٌ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ إِنْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِإِحْضَارِ التَّوْرَاةِ، فَاسْتَمِرُوا بَعْدَ هَذَا عَلَى الظُّلْمِ وَالْعِنَادِ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَأَيُّ ظُلْمٌ أَعْظَمُ مِنْ ظُلْمِ مَنْ يُدْعَى إِلَى تَحْكِيمِ كِتَابِهِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ عِنَادًا وَتَكَبُّرًا وَتَجْبُّرًا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيَامَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الْمُتَنَوِّعَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَصُدِّقَ مِنْ نَبْأِهِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا بِإِخْبَارِ رَبِّهِ لَهُ بِهَا، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿َقُلْ صَدْقَ اللَّهُ﴾ّ أَيْ: فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ وَحُكْمٌ، وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللّهِ لِرَسُولِهِ وَلِمَنْ يَتْبَعُهُ أَنْ يَقُولُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ: صَدّقَ اللّهُ، مُعْتَقِدِينَ بِذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ أَدِلَّةٍ يَقِينِيَّةٍ، مُقِيمِينَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهَا، وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنْ أَعْظَمَ النَّاسَ تَصْدِيقًا لِلَّهِ أَعْظَمُهُمْ عِلْمًا وَيَقِينَا بِالْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالتَّوْحِيدِ وَتَرْكَ الشِّرْكِ الَّذِي هُوَ مَدَارُ السَّعَادَةِ، وَبِتَرْكِهِ حُصُولُ الشَّقَاوَةِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ وَغَيْرِهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ مُشْرِكُونَ غَيْرَ مُوَحِّدِينَ، وَلَمّا أَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ فِي التَّوْحِيدِ وَتَرْكَ الشِّرْكِ أَمْرَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ بِتَعْظِيمِ بَيْتِهِ الْحَرَامِ بِالْحَجِّ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout